Friday, 10 January 2014

غِطاس زيت الحَبّوبَة


استيقظَت فجراً كالمعتاد على أصوات الدِيَكة الطليقة حيث تسكن "دميانة" إحدى حارات"أشمغة", تخطو أحياناً عالية الرءوس أو تطأطِئُها  بحثاً عما تأكله فتتدلى أعرافهم الحمراء المبهجة فوق "نشارة" الخشب الملونة التى تفترش الأرض بعد عُرس سامية بنت مصريّة ويونس ليلة أمس وتغوص مخالبهم فى سَمكها وقد خطى أكبرهم  فوق حرفS  المرسوم بالنشارة فى مقابل قرينه E  على الأرض , نهضت نحو النافذة خارج حجرة النوم  تحاول أن تتجاهل الشعور بالبرد وهى تُحكم منديلها الشيفون فوق رأسها تراقب طيورها التى مازالت تصيح وقد غادرت الحظيرة الصغيرة تحت نافذتها مباشرةً , خرجت من الباب عبر درجات السلم الثلاث بفتات الخبز المبتلّة لتُطعمهم مثل كل صباح.

دلفت دميانة إلى المطبخ الصغير الذى يتسع لها بالكاد مع موقدها ماركة "المصانع الحربية" ولرف خشبى تضع فوقه التوابل و"نملية" من الخشب المتهالك, بها أوانيها التى خرجت بها من بيت أبيها إلى بيت زوجها , تحسست قطع القلقاس المقطعة فى الماء الساخن منذ أمس والتى صارت باردة كالثلج الآن, صارت ليّنة بعض الشىء ,تحتاج إلى وقت أطول فى الماء الساخن, فبدأت تغلى الماء فوق الموقد, ثم شرعت فى إعداد الإفطار قبل أن يصحو "بشاى" زوجها الفكهانى وأولادها صبحى وإبراهيم وشنودة .أما مريم ابنتها الكبرى فأخذت توقظها بتأنيبها اليومىّ على كسلها وتخاذلها مع أمها قائلةً " البتّ للعَفَن والواد للكفن " ..صحت مريم مُكدّرة بجفن ممتلىء نصف مرتخى مثل تمثال العذراء الصغير أمام سريرها , صامتة تغسل وجهها من أثر كحل الأمس فى عرس جارتها سامية وقد تقامست عائلتها فرحة قداس عيد الغطاس مع العرس , بكاء شنودة ذى العامين يؤرقها فتهرع إليه وتضمه وتجهز له طعامه .
يصحو بشاى على بكاء الطفل ويتوقف شخيره المنتظم ويقول كل سنة وانتم طيبين فتجرى مريم إلى احتضانه وتبتسم دميانة مرددةً "وانت طيب يا خوى" .

صار البيت الصغير صاخباً فى أقل من ساعة بين صياح الأولاد والديكة وبكاء شنودة وصوت التلفاز وإيلام دميانة لمريم وهى تفترش الأغطية والوسائد فوق عتبة النافذة , تتسوّل بعض الدفء الشحيح فى أيام طوبة الباردة. تنظر مريم لأعلى فتشعر بقرب الغيمات الرمادية وتستبشر خيراً بمطر وشيك فتطيع والدتها وتُدخِل الفرش مرة أخرى.
خرج صبحى وإبراهيم بصحبة الأب مرتدياً جلبابه الصوفى وبعِمته البيضاء , يلهوان من خلف كُمه الواسع الفضفاض ,يقبضان على نشارة الخشب الملونة ويقذفان بعضهما بها , يستمتعان بإفساد حرفى العروسين بالأقدام والأيدى ثم يتوقف بهما بشاى لشراء الحلوى فيأكلان شرائح البطاطس ثم يتسابقان فى التهام العلكة الطويلة وصنع بالونات منها .بقايا البطاطس تفسد العلكة فى فم الطفلين ولا تتمدد بين أسنانهما بينما يتلقى بشاى التهانى بعيد الغطاس من الجيران.

يعلو غناء دميانة وهى تقلب الثوم فى السمن مع عيدان الكسبرة الخضراء والسَّلق :
الفـرح غـالـي موش لكل الناس      جـوه مـدينـة وقفـولهـا نحـاس
الفـرح غـالي فـي صنـاديقـه        وايـش جَسَّـر الفـقري يمد ايده
       
ثم صاحت فى ابنتها : "ادهنى يا مريم ". جذبت الفتاة زجاجة "زيت الحبّوبة" وجلست على الأرض ثم بسطت شعرها الطويل وأخوها شنودة بين رجليها وبدأت تفرك الزيت بفروة رأسها وتفرده فوق خصلاتها الكستنائية , شاعرةً بلسعةٍ تؤلمها بعض الشىء , تسأل والدتها أن تغنى أغنيتها المفضلة فتنشد وقد فاحت رائحة الخضرة الغارقة فى الثوم المقلىّ :
شلبايـة البحر يـا بيضه عجبتينى           ارخـى دلالك على البحور عدينـى

نهضت مريم مزهوةً بلمعان شعرها فوقفت فى النافذة تبحث عن عيون شباب الجيران كى يشاهدوها ودميانة غارقة فى غنائها الجنوبى , دقائق قليلة ويبكى شنودة بحرقة , تهبط مريم لتتفقد أخيها فتجد زجاجة الزيت قد نقص منها ورائحته النفاذة تخرج من فم أخيها , تصرخ مناديةً على أمها , تنزعج دميانة وتحمل ابنها بين يديها , انعقد لسان مريم تخشى إخبارها بما حدث وسرعان ما تكتشف الأمر , تهرع دميانة به الى الخارج تصرخ ..يقابلها بشاى بوخزة فى قلبه عندما يجد ابنه بين يديها, يُغلق الباب على أبنائه الثلاث ويلتقط شنوده من بين يديها ويعبران بهما "مزلقان" القطار  ..

رفضت المستشفى العام استقبال شنودة وطلبت منهما الذهاب به إلى مركز السموم, عندما وصلا إلى هناك كان الطفل قد فقد وعيه, يشتدّ صراخ دميانة بينما زاغت عينا بشاى بين جموع البشر المنتظرة  فى الساحة الضيقة  , يسمع جمل متناثرة لا يستطيع التحقق منها وهو يزاحم بشنودة بين المرضى وذويهم: " إياكِ تقولى إنك حاولتِ تنتحرى " , تهمس أخرى " هى اللى عملت فيه كده, سم الفئران زى الفلفل الأسود"..ينادى بشاى :"ابنى بيموت .." يلتقطه طبيب ويعرف القصة بإيجاز بينما تجلس فتاة على سرير الفحص شاخصةً بجمود, يتم تجهيز الطفل للغسيل المعوى , يهمس الطبيب المقيم إلى زميلته : "سنقوم بغسيل معوى لها ..عشان تحرّم ".

 كُم بشاى العريض يداعب وجه شنودة , وتسقط دمعة دميانة على يده الصغيرة الباردة , يفتح شنودة عينيه بعد غسيل معدته على بكاء ضعيف فتزغرد دميانة وسط رائحة القىء وحوض حجرة الاستقبال الأبيض وزجاجات الكيماويات الداكنة, بينما يقبّل بشاى جبين شنودة ويلثم وشم الصليب الأزرق المدقوق فى معصمه .تنفلت ضحكة من طبيب امتياز قائلاً :" شِرِب زيت الحبّوبة؟!" ..


No comments:

Post a Comment