Friday, 11 April 2014

أعباء الليل والنهار


في الجمال: «البنت الحلوة زي عتبة الجامع، لازم الكل يعدي عليها».. تهمس جدتي في أذني، ثم تبتسم: «كله بيخطي العتبة، بس المهم مين اللي ربنا هيتقبل صلاته». لا يأكلني الاحتياج يا جدة، يأكلني الجحود، تقتلني براءة ابتسامي أمام زعمهم بالحب، تلك الكلمات النديّة فوق جبين الضمير! بأية إرادة قاتلة نطقوا بها؟ أحلم كل ليلة بشق صدورهم، كيف كانت تخفي هذا الكم الهائل من «تار» الأكاذيب؟ يطفح أسودها في وجهي وأبكي!
في الندم: كل الشوارع التي كان لا بد أن نمشطها معًا أنا وهي، كل المحال والأسواق و«الهايبرات» التي لم نشترِ منها بمقدار جنيه واحد، تقفز أمامي دفعة واحدة كلما رأيت عصاها مرتكنة إلى جانب باب البيت وبجوارها كعبا السيليكون جاهزين لتضعهما داخل أي حذاء ترتدينه.
في الحنين: من فضلك لا تخبرني الآن لماذا عانقني الهواء في تلك اللحظة.. لماذا حمل رائحة قش الأرز المحترق التي أحبها، وتلك الضوضاء المتناغمة من أصوات السيارات الممتدة الملول والقصيرة الإيقاعية الراقصة في الزفة والأخرى التي تسب بلغة متعارَف عليها.. وبائع الجرائد المتجول ليلا ينادي: «أخبار.. أهرام...».. من فضلك لا تخبرني بسبب دموعي المنهمرة الآن، لا تخلع تلك الصورة من ذاكرتي وهو يتأهب للنوم، غطاؤه الأخضر فوق جسده الأخيلي ونصف ارتخاء جفنيه المسهّدين، وتلك الابتسامة الرائقة التي تودّع أعباء الليل والنهار في اتكالية طفولية ساحرة: «مَن سيطفئ النور؟»..
في الزواج: سألته ذات مرة: تراها كيف تكون ضمة العاشق؟ كنا نتأهب لركوب الحنطور، تناول يدي وأجلسني في المقعد، تشاغلت برائحة الفرس الكريهة وسددتُ أنفي فأحكم ساعديه حول ساقَي كأنما يدفئهما في بعضهما بيديه، أحاطني ووقع ظله فوقي وهو يصعد إلى جانبي، شعرتُ بشيء ما قد حدث، وجلستُ أفكّر طوال الليل في غرفتي: هل أصارحه بأنني زوجته الآن وقد وقع ظله فوقي؟
في العودة: إحدى أبرز علامات النضج العاطفي أن تشعر بحتمية تكرار التجربة، مهما زعمتَ أنك متفرد فيما تشعر؛ فهناك دائمًا أبطال آخرون يلعبون دورك وأدوارَ الآخرين، أنتِ بطلة قصته اليوم، وغدًا إحداهن بطلة قصته الجديدة، أو لعله يعود إلى باكورته في يومٍ من الأيام، العائدون من الموت يُبعثون في خلق جديد..
في الرحيل: الراحلون مشغولون بالوجهة الجديدة، يدفعون عربات حقائب السفر بإصرار وفرح، يعلو أزيز العجلات الصدئة وتوسلات الحمالين فوق صخب الذكريات البعيدة، تحلق الطائرة فتهجر الممشى المضاء، في لحظات تتحول عيون الراحلين الشرهة إلى طمأنينة جار مجاور ومقعد مريح بنافذة، يتصنعون النوم الهادئ ورؤوسهم تحتجز صخب الذكريات البعيدة ذاتها، تختفي الطائرة في غيمة كبيرة وفجر اليوم الثاني متربص مغرور كمن «سيقصل» الليل عن جسد الدنيا للأبد!
في الألفة: ستشعر بألفة تحركك تجاههم دون إبصار لأوجاعهم أو كشف تماثلهم معك، ندبات الروح المتشابهة تتجاذب فحسب، مثل ابتسامة اثنين في شارع ضيق يرتديان الزي نفسه مصادفة، كان الألم وحده السبب..
في الحزن: حزن "سيدة" بطلة "قتطرة الذى كفر" على حبيبها "أحمد" , حزني على حزنها وهي تقول: "ضهري زي اللي مسمر في المرتبة وإيدي ورجلي تقيلة، ولما قلت له عمر التمرجي قال إن السخونية راحت خلاص ادبحوا له فرخة ولا حمامة يتقوِّت بيها. رد عليَّ بصوت ضعيف: ده أبويا صارف عليَّ 250 قرش في شهرين.. مرقة الفول النابت كويسة.. ولما شدني من إيدي وقال: اقعدي جنبي يا سيدة ع الكنبة. وكانت إيده عرقانة وجلدها أصفر وعُقل صوابعها كبيرة.. مسك إيدي، اترعشت زي عادتي.. إيدي زي ما يكون واحد لمس نار وقال: انتي قرفانة مني يا سيدة؟ طول عمره كان يفهم اللي في سرى من غير ما أقوله، وساب إيدي، عملت زعلانة وحلفت ونكرت لكن ما كانش فيه فايدة.. مفيش فايدة.. مات خلاص..
ونزلت دموعها في حجرها"..    
في الحرف: كانت مؤامرة عشقية أن يبتدئ اسمه بـ«الكاف»، كلما ناديتُه التصق الحرف بلساني ولم يبرحه لباقي أحرف اسمه، ينظر إليَّ في ذهول: «نسيتِ اسمي؟»، أبادره: «صدقني، المشكلة أنك رجل (كافٍ) جدًّا.. هذا كل شيء»!

في الثورة: لا أذكر أنني رأيتُه في أي يوم طيلة السنوات العشر إلا مصليًا أو مغرقًا السيارات بمياه الخرطوم بِغِلٍّ وكأنه يغرق أصحابها الهانئين في فُرُشهم الدافئة شتاءً، أو يجلس على «دكة» داخلية أمام غرفته يشاهد مباريات الزمالك في الدوري، أو يتحدث بصوتٍ يطلبُ دائمًا أن يصير مصَدَّقا إذا وجَّه إليه أحد السكان لومًا أو تأنيبًا، وكلتا يديه تمسك بتلابيب أصغر أطفاله موسعًا إياه ضربًا طيلة الحديث الثقيل، روائح الأطعمة المنبعثة من غرفته أستطيع أن أميّزها من تكرارها: «البصارة» و«زقزوق وظريفة» و«المحشي»، خاصة في الليالي شديدة البرودة، في السنة الأخيرة طغت رائحة «المعسِّل» من داخل غرفته على كل شيء، تلاشى تدريجيًّا حتى صار غائبًا إلا من دخانه، بينما تقف امرأته في صلابة القَرن على كل شيء بدلاً منه.