Friday, 2 May 2014

محاكاة



«كنتُ نائمًا أستغرق في حلمٍ عميق لا أذكره، سأتذكَّره حتمًا ما إن لامس رأسي الوسادة في آخر ليل اليوم، هكذا يحدث.. فتّحت عينيّ.. احتجتُ الآن إلى تشديد تاء «فتّحت»؛ لأنني شممتُ عطر النرجس.. أمسكَتْ هاتفها ببطء متعمّد، أرادت أن تكون بطيئة اليوم.. لا، بل كسول تكون أدق.. كسل أنثوي يتدلل على الأشياء.. قرأت شيئًا بشغف وابتسمَت..

قامت ولم تنفض كسلها بعدُ.. نثرت شعرها ثم تحسسته من جذوره حتى الأطراف.. ظلت تعبث بخصلاته.. لملمته ناحية اليسار وتركته ينسدل على كتفها.. نثر ذلك عطرها من جديد فتسلل إليَّ.. سارت حافية إلى المرآة الطويلة.. نظرت طويلاً فوجدت بقايا الكحل النحيل باهتًا في عينيها، خاصة عند الزاويتين.. «وجديلة ديل الكحيلة» همست روحي..

مسحت بأناملها بعض الدهن عن وجنتيها اللامعتين كأنما ترسم فراشة.. بلت شفتيها وانعكس ريقُها في المرآة فوقهما.. كنتُ أحتاج إلى مزيد من الضوء.. شرّعت النافذة الخشبية وألقت نظرة راضية على شجرة الفل الصغيرة ثم عادت إلى المرآة مرة أخرى.. وجدتها وقد سُكِب ضوء الشمس فوقها، واختلط لون شعرها بشعاعها وظهرَت عيناها كلَوزتين ذائبتين في عسل.. والبريق فوق شفتيها كملمّع شفاه شفّاف للمراهقات.

فتحت التلفاز.. وجدتهم يثرثرون.. فضغطت الزر الذي يحوّل التلفاز إلى راديو.. البرنامج الموسيقي يعزف شيئًا لـ«باخ»، على ما أعتقد.. راديو كايرو في ساعته الفرنسية.. ثم: «مَرق الصيف بمواعيده.. والهوى لملم عناقيده.. وما عرفنا خبر.. عنك يا قمر».. تنهدت طويلاً.. وتركَت الريموت.. وحمدتُ فترة فيروز الصباحية على إذاعة الأغاني.. وظل صوت البيانو القديم يتلاعب بأذني ويعزف فوق قلبي.. بدأت ترشف الكابتشينو وتخيلتني معها في شرفة حلبِية أهمس لها:
«أنتِ من حواء.. إنها كل النساء.. وأصل البقاء.. وأنتِ منها.. أنها أمي.. وأحبُّ أن تستيقظي قبلي.. مثلها خرجَت لتوها.. من ضلع آدم.. كل يوم.. وهو نائم».

«أراه من تحت الغطاء المخملي يتلصص عليَّ.. عيناه السوداوان كما هما.. أتذكر حيرتي في أول مرة رأيتهما.. هل هما بلون أبي الألوان.. الأسود، الذي يمتص الألوان كلها بداخله، مثل آدم؟ بالطبع كانت عيناه سوداوين.. هو مثله عَجُول أيضًا، لما نزلت الروح في عينيه ونظر إلى ثمار الجنة بدأ يتأملها، ولما وصلت الروح إلى جوفه اشتهى الطعام وأراد أن يثب ليأخذه ولم تكن الروح قد وصلت إلى رجليه..

أم تراهما بلون طفولتي، البني الداكن.. لون مريلتي ولون رابطة عنقي ولون جبل الطور ولون أغلب شَعري؟ كنت أتمنى وقتها أن أخلع عنك نظارتك الطبية.. ها هي أهدابك تتكثَّف في المنتصف.. سأجد هدبًا نافرًا إلى أعلى أكثر من الباقين.. سأحفظ جيدًا تلك الفترة التي تضطر أن تطرف فيها.. سأعرف كيف تدمع عيناك قبلها من طول النظر.. كيف تنقّل ناظريك بين عيني في اللحظة ذاتها.. جفناك يلمعان إذا أغمضت.. سأقترب منك ولا أدعك تفتحهما.. ستضطرب قليلاً ولن تفهم لماذا.. أقبّل الجفنين الأنورين بالتناوب قبلتين طويلتين.. وليذهب لحن عبد الوهاب إلى الجحيم وهو يقول: (بلاش تبوسني في عينيّ.. ده البوسة في العين تفرَّق).. والذي أبصره يجري أمامي في رأسك الجميل.. أهمس بين قبلتي: (بوّسلي عينيَّ وقِله إني ببوس عينيَّ).. قوسا حاجبيك الكثيفين.. العجيبين.. أريد أن أتحسسهما بإبهامي وأفرك زيتَهما بين أناملي.. وأدهن به حاجبي.. منبت شعرك.. يا رجلاً لا يشيب.. وأنفك مثل أنفي روماني.. هنا كنت أريد أن أطيل النظر يا عذيب المرشف! أرِني ذلك الشّق الذي شَقَّ روحي إلى نصفين في منتصف أسنانك.. يقولون عن صاحبه إنه يظفر برزق وفير.. أريد أن أمطرك برزق وفير من القبلات».

«تلك التي لا تثنى الطرف إلا قليلاً.. تلك التي لم تكن لتغمض عينيها وتطيل النظر إلى وجهي حتى يصيح قلبي: (لحظٌ رنا.. قوس رمى.. سهمًا أصاب مهجتي).. ما زلتُ أتحسس موضع سهمك.. علت دقاته.. جُلُّ ما تمنيت أن تنام راحتك فوق صدري.. أنعشي هذا القلب إن كنتِ تخشين عليه الركود والموت الحي والخيبة والحزن.. أغلقته عليكِ واحتجزتكِ في الداخل.. تيّمتني شامة داكنة أسفل رقبتك.. خشيتُ عليكِ من نفسي.. من وهجي»..
«أقدِّر تلك القفزة التي جعلتك تطلب صورتي دون مناسبة.. أعجبني أن تطلب مني صورة للعينين فقط مهما كلّفك ذلك مِن حجب جزء مهم من وجهي في صورة قد تكون الوحيدة التي أهبك إياها، كان من المفترض أن تصير مكتملة بملامحي.. أنت تصدّر لي الفكرة التي تستهويني ثم تقوم بتهذيبها وتخفف من حدتها.. هل أكذب وأقول إنه لم يُذِبني أن تذكر ذلك البيت من أغنيتي المفضلة: (لي حبيب حبه وسط الحشا.. إن يشا يمشي على «قلبي» مشى) وإن كان ذلك من باب المجاملة الرقيقة أو حتى من باب الهدية.. استحييتُ أن أصحّح لك (قلبي) بـ(خدي)، عندما تخيلت المشهد.. كان أيسر على عقلي أن تبقى (قلبي) وإن لم تكن أيسر على قلبي!

قلتَ لي: (اقرئيني).. كنت مثيرًا للقراءة.. مثيرًا للاكتشاف.. ماذا بداخل الصندوق الأسود؟ ما مُلابسَات كل هذا الحزن العميق المرئي والمسموع؟ أي الحبيبات؟ وأي الخيبات؟ وأي الخسارات فَعَل بك هذا؟ لستَ مفتضحَ الحزن.. بل مقاومتك إياه هي المفتضَحة.. تعبيرات وجهك بها كرٌّ وفرٌّ فلا يُفضيان إلى شيء.. كنت أهمس لنفسي: أنا امرأة غارقة في كآبتي، ما الذي يحملني على (خربشة) قشرتك الخارجية لأرى ما تحتها؟! متى سيظهر التنين الأحمر القابع تحت جلدتِك؟»..

«أستطيع أن أنهض الآن، أعد الإفطار على الطريقة التي أحبها في غيابها.. أفترش تلك المنشفة التي تنظّف بها وجهها بماء الورد كل ليلة وتنساها.. مثلي.. بقع كحل الإثمد الأصفهاني تلطّخ المنشفة الوردية.. أقبّل بقاياه قبل أن أضع أطباق فطوري فوقها.. يتصاعد ماء الورد المنسي إلى دواخلي ممتزجًا مع طعامي.. هكذا أُطعم منها دون أن تدري»..