Thursday, 6 October 2016

طه وزكريا -جزء من فصل -الفيشاوي




۱-۱-۱۹٧٣
دفعة٦٣.
طابور التخرج.
أقف كنقطة تُكوّن حرف صاد في كلمة "مصر".
دبيب خطواتنا يهزّ أرض الكلية.
زغاريد...زغاريد...
"الملازم الذي سوف يتم تخريجه، معناه أنه ملازم لوحدة لا يغادرها أيّاً كانت الأسباب."
نجلس صامتين في إحدى عربات الجيش، تنقلنا من العباسية باتجاه شمال شرق، تُرى على مَن يأتي الدور؟ مَن يتركنا ويرحل إلى حيث لا يعلم؟ تتوقف العربة ويُنادَى على أحدنا. يسلّم سلامَ موّدعٍ ثم يهبط في هدوء. نظلّ نشيّعه بنظراتنا حتى تبتلعه الرمال وتلقمه الشمس.
أتّقي نظراته المتسائلة، لا يقوى هو كذلك على التحديق في وجهي، كل منا يعلم جيّداً أنها ربما كانت المرة الأخيرة، ربما كانت نهاية الرحلة الشاقة. ما الذي يجب أن أتذكّره يا صديقي وما يستوجب النسيان؟ عندما نوديَ علينا ضمن المقبولين أول مرة؟ أم ذكريات عام كامل في أحضان النيل الأبيض؟ هل أنسى القفزة الأولى بالمظلة وأنا أراقب جسدك يسقط في الهواء قبلي؟ أم أنسى "علقة الجنينة" في فرقة الصاعقة والتي بدلاً من أن نتلقّاها على أيدي المعلمين لقّناهم إياها فنُقلوا إلى سلاح الخدمات الطبية؟
"كسفريت"!...
وصلت قبلي يا أخي. دوماً ما تسبقني!
حسبتُ وأنا أضمّك أنني لن أراك ثانيةً، أخفيتُ عبرةً ثم تركتُها تهبط بمجرد نزولي من العربة، مشيتُ ولا أدري ما ينتظرني على حافة هذا البحر!
مرّت شهور كسنواتٍ طويلة، يداعبنا فيها الأمل وتأخذنا الأحلام إلى الشاطئ الآخر، ثم تعيدنا الحقيقة المرّة إلى ليالينا الحالكة.
في الإجازة الأخيرة، خرجنا للنزهة في شارع الترعة مع يحيي، اشتريتَ ساعة "بارلوكس" وراديو "ترانزيستور"، أول ما نسمع صوتُ أم كلثوم وهي تصدح بقصة الأمس.توقفنا أمام عربة "عم عربي" الحلواني والتهمنا البليلة المخلوطة بالبسبوسة بنهمٍ كبير. عدنا سيراً فوق قضبان السكة الحديد ووجدتُ تلك البرقية في انتظاري من القوات المسلحة المصرية بضرورة العودة إلى وحدتي. كانت قد وصلتك مثلها أيضاً، فعرفتُ أنها الحرب. من بعد السحور صلينا الفجر في المسجد، تنسّمتُ هواء العزبة فغذّى صدري، أودّ لو أني أحبسه فلا يغادرني ثانيةً. هل هذا السلام بالفعل وداعٌ أخير؟ حصار من دموعهم وصيحاتهم ووجوههم يسيّجني حتى "كسفريت". صوتك كالعادة يصطحبني إلى نهاية الرحلة.
مرة ثانية... مرة أخيرة.
جزيرة البلاّح... اللواء ۱٣٦ مشاة ميكانيكي.
سبتٌ آخر، يختلف كثيراً عن كل أيام السبت التي عانيتُ منها منذ جئت إلى هنا،إذ كانت تصل الحافلة الكبيرة إلى النقطة ٥۱ الإسرائيلية على الضفة الشرقية، فتهبط منها الإسرائيليات المتطوعات بالجيش للترفيه عن الجنود بصحبة كميات كبيرة من الطعام. سبعون متراً فقط تفصلني عن هذا الجحيم، عن سبابهم ومناداتهم لي باسمي الذي لا أدري كيف عرفوه.يصعد جندي بصحبة إحدى الفتيات إلى أعلى النقطة القوية، يقبّلها ويطوّق جسدها ويعتصره أمامي بشبق، عيناه ترمقانني، ترقبان غضبي واحساسي بالقهر،ممسكاً بثمرة تفاح يقضمها ويلوّح بها ويصيح بي:
– هل تعرف ما اسم هذه الفاكهة؟ ترى متى آخر مرة رأيت فيها امرأة؟
آخر مرة أيها الخنزير... آخر مرة!
كُلِّفت بالإشراف على حفر خندق مواصلات بطول الجزيرة طوله حوالي۱۱كم، وكانت المهلة المحددة ثلاثة أيام فقط، خبّأنا فيه كل الأسلحة والذخائر والصواريخ المالوتكا (فهد) المضادة للدبابات والقوارب المطاطية اللازمة للعبور.
وصل في حوالي الساعة الواحدة ظهراً عدد من قادة الجيش الإسرائيلي إلى النقطة٥۱، وقضوا وقتاً يراقبوننا بمناظيرهم. عرفتُ ساعتها أنهم موقنون من هجوم الجيش المصري الوشيك.
صدرت الأوامر للكتيبة ٥٣٧ باقتحام المانع المائي لقناة السويس عن طريق القوارب المطاطية واقتحام خط بارليف الحصين وتدمير ما به من أسلحة ومعدات والاستيلاء على النقطة القوية وما خلفها حتى الوصول إلى مسافة من ثلاثة إلى خمسة كيلومترات من الشاطئ،وبالفعل حملنا معداتنا بداخل القوارب واحتضنت مياهُ القناة مجاذيفَنا. أطلق العدو قنابل "الهاون" من كل جانب، ويالعجبي! عبرت سريتي المكونة من ثلاثة قوارب بأمان دون أن يُصاب أحد. بسطنا السلّم الخشبي على الساتر الترابي المائل،وبدأت عملية الصعود بالأسلحة والمعدات الثقيلة، فيحمل الجندي من جنودي مدفع يزيد وزنه على ٢۰۰ كجم، بينما عادت القوارب السليمة إلى الضفة الغربية مرة أخرى لنقل بقية القوات.
"احفر أو مُتْ".
هكذا كان يجب أن يحفر كلٌّ منّا لنفسه حفرةً للاختباء فيها. صبّ العدو لعناته فوقنا، وانهمرت قنابل الألف رطل كالمطر فوق رؤوسنا. صحتُ بأعلى صوتي فى جنودي وأنا أضحك:
–يضمن كلٌّ منا الآن ميتةً فاخرة، فيستشهد بفعل قنبلة ألف رطل تفجّر المياه الجوفية فتغسل جسده بالماء البارد ثم تحفر له قبراً عميقاً تدفنه فيه بعيداً عن الأيدي العابثة.
قاتلنا بضراوة، استشهد ثلثنا، ونجحنا في الاستيلاء على النقطة القوية. فتحت المبرد فكان التعيين كما هو،وعرفتُ أنه مازال هناك عشرون جندياً في الأدوار العليا من عدد الدجاجات التي بداخلها فيُصرَف لكلٍّ منهم واحدة.فتكنا بهم وصعدنا فوق التلال العالية نصيدهم كالخراف ونوجّه ضرباتنا إلى دباباتهم ومدرّعاتهم بلا رحمة.
من أعلى أبصرتُ ما لا يمكنني تصديقه: أشلاء بشرية منثورة فوق رمال تغطيها الدماء، تطفو بحمرتها فوق زرقة مياه القناة،يتساقط جنودنا الواحد تلو آخر، الميدان حالك السواد. لا وقت للبكاء، الحزنُ في تلك اللحظة ضربٌ من الرفاهية،ما لا يمكنني تصديقه أنني أبصر كل هذا! مازلتُ حيّاً إذاً يا صديقي!
لا أستطيع أن أفهم لماذا فعل"عَبّودة"ذلك؟ عندما رأى دبّابة تتحرك نحونا أخذ الـR.P.Jوهبط من أعلى التلّ وظلّ يصيح "الله أكبر... الله أكبر". كان يجب أن يبقى في موقعه.في تلك اللحظة لم يكن هذا عبودة الجندي المقاتل فحسب، كان ذلك الدرويش الذي كنتُ أضبطه في الملجأ الخاص بي يطوف حول نفسه راقصاً على إيقاع تواشيح الذكر المنبعثة من الراديو كاسيت الخاص بالوحدة؛ هو نفسه عبّودة القناوي الذي اختفى تماماً ولم يتبقَّ منه الآن سوى بقعة داكنة وخوذة وشريط كاسيت لحلقة ذكر مازال في المسجّل.
جُنَّ جنوني وهم يحاولون اقتحام النقطة الحصينة بعد استشهاد عبودة. طلبتُ من الرقيب إلهامي أن يغطّي ظهري وتحرّكتُ بسرعة في خط متعرّج إلى أسفل كي أتّقي ضرباتهم الكثيفة،أتلفْتُ دبابة بقنبلة جعلتها كرة من نار، ولكن دماءً تسيل من رأسي، أسقطُ.كان يجب أن أعود إلى أعلى التل، لا بدّ من العودة يا رفاق... لا بدّ.
عادت الأرض إلى أصحابها، ولكنّ الخطر مازال مستمراً، يأبى العدو التسليم. مرّت أيام لا نبرح فيها مواقعنا، ولكننا علمنا بتحرّك بعض قواتنا إلى المضائق. أدخل السرور إلى قلبي مشاهدة المزارعين في "كسفريت" يصعدون أعلى النخل لجمع التمر في موسم الحصاد.فجأةً سمعت أزيز طائرات العدو تحلّق فوقنا، وبدأنا نتأهّب لمعركة جديدة رغم عدم الاستعداد لخوضها.
ترابض دبابات الصهاينة بين أشجار المانجو في "الدفرسوار"،تطلق قذائفها بجنون، كل شيء يقاوم حتى الثمار التي تعوق مسارها وترفض عبورها. تريدون عبوراً إلى الضفة الغربية أيها الحالمون؟! ومَن سيسمح بذلك؟تلفظكم الأرض بما ومن عليها.
اشتد الحصار. يهاجمنا العدو بضراوة. ننتظر الإمدادات.أسر اليهود جنوداً ومزارعين عُزّل من السلاح. رأيتُهم يبحثون عنّا في كل مكان كالكلاب اللاهثة. أخفى الفلاحون رجالنا بينهم، خضّبوا أيديهم بالطين والروث لتصير خَشنة كأكفّهم فلا تُعرف هوياتهم. شرعوا في السطو على المحاصيل والزرائب فراح المقاومون يكبّون الجوالات بما فيها على الأرض ويُطلقون البهائم كي لا يظفر بها المجرمون.

بدأ الضباب يحلّ فجأةً مع صوت إطلاق القذائف الأخيرة، سحابات رمادية كثيفة تطوّقنا.أريد نفساً واحداً،لا أجده، الدخان يحجب كل رؤية ممكنة، لا يريد الصوت أن يخرج، وجسدي أثقل من رمال سيناء كلها. احملوني إلى البحر، واتركوني ساعةً في حجر أمي، افتحوا الأنوار وشقّوا عني هذه الظلمة، أفسحوا الطريق لرائحة المانجو الشهية، حِلّوا عني أغلال الجسد وأطلقوا روحي لتشأم في هواء بلادي غير المسموم.