Thursday, 16 June 2016

طَهَ بين بُوهُؤ و بُنّة -جزء من فصل -رواية الفيشاوي


قبل أن تصرخ أمي صرخةً أرجفت إخوتي كان أبي يدخّن النارجيلة ويغنّي بصوته الجميل،بينما كنتُ أنا أتأهب للخروج إلى الدنيا، يلفظني البيت الذي مكثتُ فيه تسعة أشهر بعنفٍ وغضب، لم يكن رأسي الكبير يريد الخروج، وبدا متشبثاً بالمسكن المائي الآمن، أصابع خشنة قوية عملت على جذبي إلى أسفل،ساءني أن تنتهي معاناة أمي وصراخها بطردي من داخلها إلى الأبد،فبكيتُ بحرقةٍ بينما كانوا هم يزغردون ويهتفون: ولد يا نبيّات، ولد!
الكحلُ في عينَيّ يكوي جفنَيّ،تتلقفني الأيدي وتقبّل شفاهٌ كثيرةٌ وجهي،صوتُ “الهون” المرتفع الرنّان يدوّي في أذني ويفزعني، أمي تمسك بحلمتَيّ الصغيرتين المنتفختين وتعتصرهما فتنفث منهما قطراتٌ من اللبن، أبكي وأبكي…لَكَم بكيتُ وهم يضحكون!يعلو صوت أبي وهو يحدّث جدتي: “أسميتُه طَهَ…كُلُّه أنتِ يا سرورة”.إبريقٌ يشعّ نوراً من كل جانب، تسبح حوله حبّاتُ الفول في الإناء النحاسي الكبير.سرّتي تؤلمنى، شيءٌ ما موصولٌ بها يعبث به أخي عبد الله ويجذبه بإصبعيه. الحبل الصغير يقع من تلقاء نفسه من دون أن يشدّه أخي فييومٍ آخر. اختفى الإبريق بشموعه المضيئة، وأفرغت أمي الإناء من حبّات الفول وفرّقتها على إخوتي قائلةً:”إنها تجلب الحظ لحاملها فلا يضيّعنّها أيٌّ منكم!” ثم صبّت سائلاً أحمر في الإناء الكبير وناولته لأبي من نافذة البيت، كان يرقص بالعصا والجميع يصفّق وبدأ يفرّق ما سمّته أمي”الشربات” بين الجيران. لم يكن هذا فرحاً بقدومي بل كان احتفالاً بثورة الضباط الأحرار التي قامت بعد ولادتي بأقل من شهرين وقبل أن يصير بإمكاني حتى أن أصلب رأسي!
مشاجرات عديدة بين أبي وأمي في الأول من كل شهر، ترك أبي عمله القديم مع الإنجليز وانتقل ليعمل في وزارة النقل كسائق وابور زلط،قلّ راتبه إلى الثلث تقريباً وازداد تعلّقاً بمعسّل “زغلول” في علبته الصفراء التي أحفظ شكلها جيّداً، وكثر خروجه كل ليلةٍ مع غريب هوى، صديق عمره، ورفاقه من بولاق والعزبة.أما أمي فكأنها تحارب كي تطعمنا وتكسونا. لم يكن يحنو عليها سوى أخي الأكبر عبد الرحمن الذي يعمل “مكوجي” ويعطيها أغلب ما يكسب ويدّخر البقية من أجل حلم شراء دكان خاصة به.تزوّجت أختي عفيفة من ابن صديق أبي وسكنت في “عزبة الورد”؛ كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أبي علي يبكي وتغرق دموعه وجهه، وظل يقول لها يوم زفافها:”مبروك يا بنت ودودة، كأنك هي يوم عرسنا”.
قبل زفاف أختي عفيفة اصطحبَتها أمي إلى الحمّام، تعلّقتُ برقبة نبيات وذهبت معهما إلى هناك،دلفنا إلى الحمّام الذي يعجّ بالسيدات العاريات من كل جانب، لم أكن قد بلغت أربعة أعوام بعد،حرارةٌ لا تُطاق وبخار الماء الكثيف يحجب عني الرؤية فأدعك عينيّ وأفتحهما على وسعهما لأتحقق ممّا أرى، ضحكاتهن وزغاريدهن وهمساتهن، يحطن بي، أرى كومة من اللحم يغطيها الذهب الأصفر والقِشرة،يعرضنها على بعضهن بزهو بما امتلكن من مفاتن ومصاغ، يتلامسن فيما بينهن فتمازح الكبريات منهن الصغريات ويستمتعن بخجلهن وهنّ يغطين أثداءهن وفروجهن عن العيون المتلصّصة،أكفٌّ مثل أكفِّ الرجال تدعك الأجساد الطرية النائمة فوق الرخام البارد، تأوهاتٌ غانجة، وروائح عدة تنبعث من الأجساد ما بين الطيّب والكريه، ورأسي محشورٌ بينها لا حول له ولا قوة،ذاهلاً ممّا تبصره عيناي وتشعر به أناملي الصغيرة…عالمُ النساء الذي لا يُنسى؛ ذلك العالم الغامض ولكن العجيب والمثير.
كان يوم ختاني يوماً مشهوداً في “عزبة بلال”، لا لأهمية الحَدَث ولكن لأنه تمّ على رؤوس الأشهاد. افترش الأهالي حصيرةً كبيرةً في “الوسعاية” التي تتقابل لديها الحارات والأزقة المجاورة، وأمسكوا بالذكور بعد أن استدعوا حلاّق المنطقة الأشهر “أحمد بُوهُؤ”،وتلك كانت تسمية أهل العزبة له كنايةً عن سعاله “الديكي” المميّز.ارتدى “بوهؤ” جلبابه الأبيض النظيف وأمسك بحقيبته السوداء التي تحوي عدّة الحلاقة التي هي ذاتها عدة الختان،ثم جلس على الحصيرة وهو يشير لأمي بالموسَى فشعرتُ بأني مقدمٌ على خطرٍ كبير، شرعتُ في الصراخ حتى بحّ صوتي تدريجياً،وقد كبّلتني نبيات بذراعيها من خلفي فباعدتْ بين ردفَيّ الهزيلين. بتر “بوهؤ” جزءاً من عضوي فكان الألم لا يُحتمل وانهلتُ سباباً بذيئاً على الحلاّق وانبجس دمٌ غزيز مني، وعندما أفلتتني أمي وجدتُ بحيرةً من الدماء تسيل تحتي! تلك هي المرة الأولى في عمري التي أرى فيها دماءً حارة طازجة، وكانت لسوء الحظ دمائي أنا!توافد الذكور من بعدي على “أحمد بوهؤ” يفعل بهم الشيء ذاته بالموسى نفسه، حتى استحالت الحصيرة الرملية إلى الأحمر من أثر مجزرة ذكور العزبة الصغار!
عندما أتممتُ عامي الخامس أرسلتني أمي إلى كُتّاب الشيخ الضرير “علي بُنَّة”. كنتُ خائفاً وازدَدتُ خوفاً عندما أبصرته جالساً فوق كرسيه في حجرةٍ صغيرة وأطفال العزبة جالسون أمامه. نظرتُ في وجهه العابس فوجدتُ إحدى عينيه مفتوحةً وحدقتها بيضاء ومعلّقة إلى زاوية واحدة بلا حراك، والأخرى مزمومة كأنها مغلقة على سرٍّ غامض،يمسك بعصا خشبية رُبِط في طرفها سوط من الجلد الطويل.
يرتّل الشيخ “علي بُنّة” القرآن آيةً آية ويأمرنا بالترديد وراءه بصوتٍ عالٍ وواضح، يستطيع بمهارة التمييز بين أصواتنا الحادة فيكتشف من أخفض صوته أو صمت منا فيهوي بكرباج العصا فوقه تماماً. يعلو صوتي يوماً بعد يوم، خوفاً من سوط الشيخ الموجع، ثم يصيبني التعب فأخفضه رغماً عني، أتّقي ضرباته المتتالية فأُخفض رأسي خلف جسد زميلي الجالس أمامي،فينال منّا سوياً.كنتُ على إيمانٍ تام بأن الشيخ يرانا وليس بالضرير كما يُظهر.أُخرج نصف الرغيف المحشوّ بالجبن من حقيبتي المصنوعة من القماش فتمتدّ الأيدي لتتخطّفه من بين أصابعي عنوةً فيتفتت إلى قطعٍ صغيرة في أفواه الأطفال الجوعى وأشعر بالظلم لأنني لم أتناول منه سوى قضمة صغيرة لا تسدّ جوعي، بينما تقذف أمي في حِجر زوجة الشيخ “علي بُنّة” عدداً من أرغفة الخبز “المفقّع” الذي أحبّه والبيض وقطعة كبيرة من الجبن القريش الذي تصنعه بنفسها في بيتنا.
ولكي نهرب من الكُتّاب كنّا نتذرّع بقضاء الحاجة خارج الحجرة الصغيرة الخانقة، ونتجمّع في الساحة المهجورة خلف المنزل فيهرب منا من يهرب ولا يعود. وعندما اكتشف الشيخ أمرنا كان يحصي عدد الأطفال المتسرّبين وقد حفظهم جيداً، فيخرج إلى الساحة ويهوي بالكرباج فوق ظهورنا العارية أثناء قضاء الحاجة قبل أن نتمكّن من الهرب. عدتُ من الكتّاب ذات يوم وأنا مصرٌّ على ألا أعود، وتلك كانت المرة الأولى التي أصرخ فيها في وجه أمي وأقول لها بصوتٍ عالٍ ليس بخفيضٍ أبحّ مثل الذي أردّد به القرآن: لا!
انصاعت أمي لرغبتي، وكانت تضمر لي نيّةً أخرى وهي إرسالي لمدرسة الشيخ جابر. أذكر كيف حاولت إقناعي وهي تغريني بمصروفٍ يوميّ يبلغ “تعريفة”،وكيف التفّ إخوتي حولي يعدّدون مزايا مدرسة الشيخ جابر. ذهبتُ وأنا عازمٌ على الهرب من جديد إن لم يعجبني الحال بعد أن أحصل منها على التعريفة. لم تمرّ أيام قليلة حتى أصابني الملل من المدرسة التي تتكوّن من ثلاثة فصول في مسكن صغير بجوار بيتنا، حتى اقترح الشيخ جابر، الذي يدرّس اللغة العربية إلى جانب تحفيظ القرآن الكريم، أن يشترك التلاميذ في “جمعية” بخمسة مليمات يومياً، فرَاقَت لي الفكرة خاصةً بعد عمل “قرعة”من بين خمس وأربعين تلميذاً استقرّت عليّ، فكنتُ أول من قبض مبلغ الخمس والأربعين تعريفة،وضعها الشيخ جابر عني في علبةٍ من الصفيح وأمرني بالذهاب إلى البيت مبكراً قبل انتهاء اليوم الدراسي خشيةَ أن يسرق أحد التلاميذ المبلغ الكبير مني! عدتُ إلى أمي بالعلبة الصفيح وحكيتُ لها ما حدث فلم تصدّقنى وذهبت مهرولةً إلى الشيخ جابر فصدّق على كلامي، واحتفظت أمي بالمال، وقد استمرت في إعطائي التعريفة اليومية لأدفعها إلى الشيخ حتى انقضت أيام الجمعية التي لم أظفر منها بشيء سوى بفرحة حمل العلبة الصفيح الرنانة التي تحتوي على ٤٥ تعريفة.
غير أنّ وجه الشيخ جابر، الذي ظهر في بداية الأمر طيباً، ويده التي تخلو من السياط أبعدا عن إدراكي كل تشابه محتمل بينه وبين الطاغية “علي بنّة”، ولكن الحقيقة المؤلمة أنّ ما حسبناه موسى كان فرعوناً عندما علّقني الشيخ جابر في الفلكة وخلع حذائي الصغير وانهال عليّ ضرباً بـ”الخرزانة” الطويلة إثر وشايةٍ ظالمة من التلاميذ. صرختُ ثم صرختُ ألماً حتى بحّ صوتي كالعادة، وعندما اشتدت استغاثتي تركني، فوطأت قدماي الأرض وأنا لا أكاد أشعر بها. كان بداخلي إحساس أدركتُه فقط وقتها للمرة الأولى، اسمه: الظلم! وأظن أنني وأنا أقذف المدرسة وزجاج نوافذها وتلاميذها والشيخ جابر بالحجارة كنتُ أعلن عن كراهيتي الشديدة لهذا الظلم، وقد بدأت الانسلاخ من جلد الحمل الطيب!

Saturday, 28 May 2016

شِدّي حالك




أستطيع أن أميّز بينهم إذا طرقوا بابي، فأعرف مِن أكفّهم مَن خلّف وراءه ميتاً،يبسطون أيديهم مستسلمين يائسين،متخذين بين البطء والإسراع سبيلاً،ليس كطَرْقِهم في السابق عندما كنت أُمرّض ذويهم،ذلك الدق المُلِح المفعم بالأمل ،فأسعف جروحهم وأقوم بتغيير اللفافات يوماً بعد يوم حتى تطيب، أدلّهم على مداواة الحروق بالزبد،أو أعطيهم حقن تسكّن آلامهم وتجعلهم ينعمون بالنوم العميق فيُصبحون من ليلتهم متعرقين بالشفاء.. قبل دقائق كنتُ أتأهب لحضور عرسٍ في الحُلم وطُلِب مني تجهيز العروس،فتّحتُ عيني على صوت حمارٍ يستغيث،هكذا أظن كلما سمعتُه،كأنه يرى ما يخيفه أو يسمع ما يؤذيه، شيئاً أكثر قبحاً من الشيطان الذي ظل برفقته حتى على عتبة سفينة نوح وحاول منعه من الدخول لينجو:إنه الموت..
إذاً الدق اليائس يقول أن لديّ عملاً اليوم مَعنيٌّ بالموتى لا بالأحياء،كما هو الحال منذ عشرين عاماً،والحق أني لا أفتقد التعامل مع المرضى مطلقاً،ولم أعد أكترث لأمرهم،فالسعادة التي كانت تغمرني عندما يُشفى أحدهم باتت تتلاشى تدريجياً،ليس فقط لوقوفي عاجزةً أمام جرحٍ غائر ملوّث يحتاج إلى كيلو قطن يومياً مشبّع بصبغة اليود والمراهم والدهانات وفي النهاية لن يلتئم،أو عدة أجساد مصابة بأعيرة نارية إثر مشاجرة بسبب بضعة جنيهات ،أو لأن ثقة أهالي حي الشرّابية في ‘‘شَرّابيّة الحكيمة’’ تآكلت يوماً بعد يوم أمام روشتات الأطباء وغرورهم وهم يُملون مطالبهم على مسامع أهل المريض،‘‘شَرابيّة’’ التي سمّاها أبوها ليمتد ذكرى (الشَّرَّابة) سقاة الناس منذ زمنٍ بعيد -وهو منهم- باتت أشبه بـ‘‘شُرّابة الخُرج’’،لا تحلُّ أسقاماً ولا تربط جروحاً،ولكن أيضاً لأنني تعبتُ من عذاب الإحساس بالأمل دون جدوى،فحسمتُ أمري عند أول فرصة أتت كي أعبّر للموت عن عظيم إحترامي،كي أدين لهذا القاتل بالولاء الكامل وأودّع برضا تام فقيديّ:ابني والذي غادر في هدوء وهو نائم، ومهنتيَ القديمة ..
‘‘شَدي حالك’’ أقولها وأنا أصافح ابنة المتوفاة الآن،كما تصافح أمها الموت في نفس اللحظة، وصافحه ابني في لحظةٍ سالفة،في كثير من الأحايين لا يجد المرء أمامه سوى أن يسلّم على عدوه، وقتما لا يمتلك القدرة على هزيمته، وكما قيل في الأمثال: ‘‘ما محبة إلا بعد عداوة’’..
أتساءل كل ليلة كيف يتسع قلبي لكل هؤلاء،كيف أتفقد وجوههم بشجاعة ملك موت وأسامحهم بسرعة وصول الورثة؟ ربما لأنني رأيتُ منهم ما كفاني، رأيتُ جثامينهم للمرة الأخيرة قبل أن أسلمَهم للعَدَم، مسحتُ عنهم البول والدماء واطَّلَعتُ على العَذِرة والعُذْرة ..ولَكم شممتُ ما أكره بقدر ما طَيّبتُ بما أحب..
الجزء الأصعب في الحكاية أنك تكون على صلةٍ بالميت،أنْ دَخَلَ طعامُه جوفَك وسقاك من مائه وكساك من ملبسه، كما هو الحال مع جارتي التي سأذهب فأراها للمرة الأخيرة كي أجهزها للعرس مثلما رأيتُ البارحة في الحلم، بيت الحاجة ‘‘أم إبراهيم’’ عامرٌ كالعادة،بيتٌ لا ينفد منه الطعام قلّ أو كثر،لا تدري كيف أو متى تم إعداده وهي إما جالسة أو نائمة،لا تقف سوى كي تذهب إلى دورة المياه على (مشّاية) كالتي يستخدمها الأطفال حديثو العهد بالسير،أوصت ‘‘ست النعم’’ -وهو اسمها- بوقوفي على غُسلِها،وعندما اشتد بها المرض سألت أولادها: ماذا ستحضرون لي في عيد الأم؟، قالوا: ما تطلبين،فقالت: أريد كفناً تشتريه ‘‘شَرّابيّة’’ من ‘‘عوف’’ وقولوا لها أم إبراهيم توصيكِ بطول السُّترة وكثرة الطيب.. 
في ‘‘عوف’’ زاغت عيناي على اللفائف بأقطانها وحريرها،اشتريتُ كفناً قطنياً وآخر من الحرير،قلتُ في نفسي لا أحد يدري، فكل ميّت ينادي كفنه،أما الليفة فكانت من النوع الذي أفضلّه، أليافها ناعمة ذهبية تشبه ذيل حصان أشقر ملفوف، لها شكل مغرٍ فتتوق النفس إلى حمامٍ ساخن بـ‘‘الكوز’’ كما كان الحال قبل أن يصير لديّ سخاناً،شعرتُ كأنها تناديني فسألتُ البائع إن كان بإمكاني شراء ليفة من دون كفن، فقال لا،صمتُّ وأنا أتأكد من وجود زجاجات المسك الأبيض والأسود والكافور والعود إضافةً إلى السِّدر،كلٌّ له وظيفته واستخدامه في أثناء التكفين..
تمنيتُ أن ترحل ‘‘ست النعم’’،وذلك لأني أحبها ولا أريد لها عذاباً،كانت تلك المرأة هي الوحيدة التي لا يصيبها النفور مني بعدما تحولتُ من حكيمة إلى مغسّلة،الإنسان يموت عندما تلفظه الأماكن التي يحبها.. ظلّت تطلب مني التغيير على قدمها المريضة من دون علمِ أبنائها أو أحفادها، المهم ألا يرى أحدهم ما آلت إليه،أم إبراهيم وأنا كلتانا تكره الأطباء،وبقدر كراهيتي للعودة لتلك المهنة فلقد وافقتُ من أجلها فقط،فكان مرض السكري اللعين ينهش أصابع قدميها وكنتُ أتفنن في العناية بهما،فأضعهما في الماء المملح وأطهرهما بتلك السوائل الداكنة قاتلة الجراثيم، رأيتُ كيف تتبدّل ألوان أصابعها بالتدريج حتى صار أكبرها أسود اللون،شعرتُ بالقلق ولكني لم أرد إخافتها،أعرف أن الأمر قد يؤول إلى بتر الإصبع أو القدم وأحياناً الساق! هؤلاء القساة لا يرحمون!
ساورني القلق، ذلك الذي بتُّ أهرب منه طوال تلك السنوات،هل أقول لأبنائها؟ أم أحدّثها بضرورة رؤية طبيب؟ أم إبراهيم لا تتألم مطلقاً، لا تشعر بيدي حتى عندما أضغط على جراح قدميها المفتوحة، لماذا أزعجها وأعرّضها لشيء بشع اسمه البتر؟ لمَ لا أدعها جالسة هكذا بابتسامتها الواسعة عندما تسمع صوت ‘‘صليب’’ بائع السمك منادياً فتطلب مني شراء البلطي الصغير وسمك المكرونة منه؟ وتفرح بالقشور عندما تتطاير -وأنا أنظفه بجوارها-إلى حجرها، أشوي البلطي وأقلي المكرونة ونأكل سويًّا؟ أمرٌ لا يحدث سوى في بيت ‘‘ست النعم’’ التي لا تخشى من نذير الشؤم ‘‘شرّابيّة’’!  فتكتّمتُ سواد القدم كي أنقذ قلبها من سواد الفقد إذا أتاها زاحفاً..!
كل شيءٍ معد الآن، الكل ينتظر شرّابية ويستقبلها باحترامٍ، تماماً كما شيّعوا طبيب الصحة حتى الباب، من تحت نقابي تطلّعتُ إلى نظراتهم الحزينة المختلطة بالحيرة، بين الصمت والبكاء والصراخ، توجهتُ إلى حجرتها فلمحتُ أسطوانة الأوكسجين مرتكنة إلى إحدى الزوايا،تذكرتُ أني نسيتُ إحضار ‘‘صبغة جاوا’’ معي اليوم،كانت تخبرني أنها تشعر بالغرق،كأن الماء يغمر صدرها حتى أنفها،فأجعلها تستنشق بخرها الساخن المتصاعد إلى أن تظهر عليها علامات الراحة لأنها تمكنت أخيراً من جذب نفس عميق..وجدتُها فوق السرير المعدني المنصوب من أجل الغُسل،فإذا بها راقدة بلا حراك،وقد لفّوا حول وجهها منديلها الأزرق القديم  بزركشته من الورد الأصفر والأحمر،كأنه قطعة (قماش خيّامية) فلم يحكموا ربطه، يتدلّى فكها السفلي فظهر سنها الفضي،عيناها مغمضتان،في كل منهما خيطٌ لامع دقيق تحت أهدابها البيضاء،بدت ست النعم كأنها نائمة لدرجة أنني تشككتُ في موتها..وضعتُ يدي على قلبها فكان صامتاً،قلتُ السلام عليكِ يا أمي فلم ترد، قبّلتُ يدها وجبينها وبكيتُ،من دون صوت،لا ينبغي أن تبكي شرّابية أمام أحد..
طلبتُ أن يخرج الرجال جميعهم من المنزل،طلبتُ الكثير من الماء الدافيء، طلبتُ كذلك أن تبقى من تقدر على احتمال الغُسل ممن أوصت بحضورهن،بسطت اللفائف وكان لا بدّ من تخييطها في بعضها البعض لتستوعب جسدها الممتليء فانهمكت بناتها في القيام بهذا العمل، بينما شردتُ أنا في تلك الحركة شبه المستمرة والتي كانت تقوم بها في آخر أيامها وهي غائبة عن الوعي،كأنها تخيط شيئاً،نادت ست النعم عليّ ضمن مَن نادت،على ‘‘رئيسة’’زوجة التُربي وعلى زوجها المتوفّى وعلى أخواتها الراحلين جميعهم..كنتُ أتعجب كيف تمرض تلك المرأة برأسها ورئتها وهي التي كانت مغرمة بأكل رؤوس السمك وخياشيمه؟
أخرجتُ الليفة الذهبية وقد بقي اثنتان من حفيداتها واثنتان من بناتها،ابتسمت لهن وأنا أضع كفي فوق جبينها المُندّى فقلت تلك دلالة على حسن الخاتمة فاشتد بكاؤهن،أخذتُ في صب الماء صبًّا فوقها وهي مغطاة بملاءتها المفضلة.. لماءِ الغُسل صوتٌ مختلف فوق الجثامين، يذكّرني دائماً بالتخلص من جنابة الليلة الأولى،وغسل آخر ليلة من ليالي النفاس،تلك الحياة ! كيف لا يصير فيها شيء ذا قيمة سوى ذلك الذي يشبه الرحيل عنها؟
ليفةٌ طيّعة ناعمة..خُيّل إلي أن أم إبراهيم تستحسن الأمر،انفرج فكها قليلاً خاصةً وأنا أصب الماء فوق شعرها،قسمته ثلاثة أجزاء وبدأت في تضفيره ،هرعت الحفيدة الكبرى في تضفير جزء وأشارت إلى الأخرى لتضفّر الشعر المتبقي، قالت لها: ضفري، فذلك جيّد لمن لم تنجب بعد، تعجبَت الصغرى ولكنها فعلت كما طُلِب منها،كانت تبكي بكاءً مرًّا وتهمس لست النعم بأنها تضفّر شعرها الآن كما اعتادت هي أن تفعل معها في الصغر وباتت تحدثها: ‘‘ضفريه عشان يطول’’..
الآن وبعد الغُسل الأخير أستطيع أن أشتمَّ رائحة الأطفال الرُضَّع تفوح من جسدها الطري،الآن يحضر الملائكة من حولنا ليؤمّنوا على الدعاء لها،أحشوها بالقطن،وقلبي محشوٌّ بالفقد،ألفُّ حولها الكفن مثلما اعتدتُ أن أربط جروحها،طبقات ..طبقات .. القدم المريضة غادرها السواد، لا لأن الجرح قد طاب ولكن لأنهم بتروها..
لا فائدة ، العجز يطاردكِ من جديد، قدمها المبتورة ليست هنا،فمها مفتوح لتسقيَها -يا شرابيّة -ولا تقدرين ..كثرة الطِّيب لم ترد دود الأرض عن ابنك..
لن آخذ مالاً من ‘‘ست النعم’’،لكني سآخذ تلك الليفة الذهبية،سأغتسل بها الليلة هي و‘‘الكوز’’ الألومنيوم،سأدسُّ أنفي في صحن كبير مملوء بالماء الساخن وأذوّب فيه صبغة ‘‘جاوا’’ فأستنشق بعمق كي يتطاير معها مخاط الأحزان اللابد في روحي،سأشتري أكلة سمك من ‘‘صليب’’ ،وأحيكُ من الكفن الحريري عباءةً،ثم أبحث عن عرس في الحي غداً لأحضره، ذلك ‘‘الحي’’ كالحياة ،لا تنفد منه الأعراس ولا المآتم أبداً..

نُشرت في أخبار الأدب أبريل 2016 

Saturday, 27 February 2016

الطريق -جزء من فصل -رواية الفيشاوي





يحسبون الطرقات خرساء، يحسبونها لا تحكي، رُبّ سُبُلٍ فاضت بأحاديث لم يروِها بشر، وكم من بوحٍ أُريق على قارعة الطريق. الأرض ترعاك أيها الإنسان، الأم السمراء تستمع إلى وجودك.
ليس هناك أبلغ من قصة حذاء صُنع على مهلٍ في ورشة إسكافيٍّ ماهر من توسكانا، يمسك الجلد بيد وقلبه بيد، كل تجعيدة في وجهه مَعلَم فلورنسي فريد، مقوّس الصدر في منتصفه، حفرت كعوب الأحذية فيه ممراً يتحسّسه بأنامله المصبوغة بالورنيش وهو يشاهد نهر "أرنو" عن بعد ويبتسم، جسوره القديمة ذكرياته. صار هذا الحذاء الآن في قدميّ هذا الشاب المصرى النحيل،ولا يعرف أنه اكتسب تجاعيد وجهِ صانعه، فلم يعد الزوج التوسكاني الجديد اللامع ذاته،انبرت حوافه واكتسبت استدارة من كثرة السير، وهبطت بطانته السوداء تحت قدميه وفي طريقها إلى التآكل. أوشك لُبّ النعل على التحرّر، فبرز كلسانِ طفلٍ حديث العهد بالكلام.تلك الألسُن تدريجياً تقصّ كل شيء، ألسن النعال المنهكة القديمة تخبر الطرقات بكل الحكايات.
على أرض المعهد، تدبّ نعال مصرية مغروزةٌ في أجسادها مساميرُ صدئة من طول الانتظار، تزاحمها أخرى بجلودٍ إنجليزية وبحياكةٍ ألمانية أو غُرَزٍ بولونية. كعب أرمنلي رفيع يفتك بقلوبٍ يسري نبضُها حتى مواطئ الأقدام، وآخر يوناني تميل لدبيبه الرقيق الآذانُ... عالمٌ ملوّنٌ غضّ الأحلام.
يُحدّثني النعل التوسكاني بحكاية طه، الطالب بالمعهد العالي الفني، يشكو إليّ قسوتَه عليه، فلم يكتفِ بالسير به ذهاباً وإياباً كلَّ يوم من عزبة بلال إلى المعهد بشارع شبرا، بل يواظب كذلك على المشي حتى أقرب محطة أتوبيس توصله إلى "المنيل"، هناك يقوم بالجلوس أكثر من ثلاث ساعات مرتين أسبوعياً فوق بساطٍ أحمر قانٍ بأليافٍ ناعمة، يشجّع الحذاء على النوم فينال قسطاً من الراحة فى منزل "الست لواحظ"، والدة لتلميذين في المرحلة الإعدادية يساعدهما طه على الاستذكار، وكان قد قام من قبل بعمل بعض ديكورات بصحبة د.عدلي في نفس البيت فطلبت السيدة ذلك منه فوافق لفوره.
يحتكّ حذاء الشاب النحيل بحذاءٍ ورديٍّ مرةً أسبوعياً بالقرب من مشتل يطلّ على ترعة الإسماعيلية، ذاك حذاء لبنى حبيبة طه، إذ يبثّها لواعج الهوى، ويبوح لها بأفراحه وأتراحه، يكرّر على مسامعها تلك العبارة فكثيراً ما تبكي: "لو أنني لم أمرض!"، وسرعان ما يحكي لها كيف يحقّق الطالب المصري النحيل تفوقاً ملحوظاً على أقرانه من المصريين والأجانب في المعهد، وكيف يتوقّع أساتذته له نجاحاً مبهراً، يقصّ عليها تهافت الفتيات عليه كي يرسمَهنّ بعدما رأينَ صورة "إيـﭬا الأرمنية مرسومةً في دفتر المحاضرات بقلم فحم، فتغضب ويصالحها بضمّةٍ طويلة وقبلةٍ على يدها.

ستة أشهر قضاها طه في هذا المعهد، يستذكر ويعمل ويحب ويرسم، ويواصل المسير، حتى وصل كعادته إلى بيت الست لواحظ، وقبل أن يصعد وجد الشرطة تحاصر المنزل ويتحدث الجيران عن ضبط بيت مشبوه بالداخل. لم أستطع إخبار طه بأنّ الست لواحظ، قبل دقائق فقط من وصوله، كانت تسير حافيةً فوقي بصحبة فتيات أخريات شبه عراة يبكين، تقودهن أحذية العساكر الثقيلة الخشنة. تجمّد الحذاء التوسكاني في مكانه، وبعد لحظاتٍ انصرف مع صاحبه ولم يعد مرةً أخرى. لم يكن يدري أين يذهب وكيف ستستمر حياته بعد انقطاع هذا الرزق عنه خاصةً بعد مرض د.عدلي وتوقفه عن العمل، يمسك دفتر المحاضرات بكلتا يديه، يحتضنه باكياً لا يسمع نشيجه سوى النيل والقمر وأنا.
لم يكن صاحب حذاء توسكانا من يبكي وحده، ملايين الخطى في صبيحة اليوم التالي كانت تبكي، جموع لم تشهد تلك الأرض مثلها من قبل، من جنوبها إلى شمالها، تماهت الطرقات مع بعضها البعض، كسرَت الخُطى المتهافتة كلّ الحدود في طريقها إلى وِجهةٍ واحدة،حتى ذلك الجسد الساكن الواقف على الطمي حافي القدمين أوقف دابّتَه التي تدور واحتضنها باكياً، كان قلبه يتوجّه نحو الوِجهة ذاتها: جثمان ناصر.
للطريق قلبٌ حجريٌّ أسود يكاد ينصهر حزناً على آدم وبنيه أبد الدهر، له قلبٌ لا يحتمل وداع الصحبة والأحبة، يراقب مِن خطوات أحدهم المتثاقلة كيف امتطته المحن والخطوب، ذلك لأن للمصائب أرجلٌ عديدة كالعناكب والخنافس، ولكنها هشّة تنكسر مفاصُلها بسهولة، وتفقد أطرافَها فتقع. هذا الأسفلت معجونٌ بجثثها المنقوصة وأطرافها المبتورة وتفوح من مسامه رائحة هزيمتها الكريهة.
مرّت ليالٍ لا تُنسى على صاحب حذاء توسكانا، تكرّر ذهابه إلى أرضٍ غير معتادة، بسياجٍ عالٍ حولها، حتى وجدتُ الحذاء المنهك في يومٍ ما يطير إلى أعلى فرحاً بصحبة حذاء من "باتا" يرتديه زكريا صديق طه. تبع هذا الحادث أيام يسعى فيها خفّان من البلاستيك من العزبة إلى أشمغة ترتديه نبيات، والدة طه، تسير مُسرعةً وكأنها تريد الإمساك بشيء قبل أن يختفي، ثم تعود بدبيبٍ زاحفٍ يجرّ خيبةً ما، إلى أن أتى ذِكر "زينهم معارك" وهرولت نبيّات في الخفّ الأسود إلى البيت ومعها مبلغ ٢۱ جنيه. صاحت في طه أنها حصلت على المصاريف المطلوبة، طار خُفّا نبيات إلى أعلى بقدميها المتشققتين إذ حملها ابنها محتضناً إياها ودار بها دورةً كاملة، أحاط إخوته بهما فرحين وبدأ يوسف في السير بخطوات منتظمة مثل الجنود والجميع يضحك.
أنتم تضحكون يا بني آدم ثم تبكون، سمْتُ حياتكم القطع بعد الوصال، والوصول بعد طول المسير، ولكن هذا الشاب يشعر بالضياع، الطريق يمكنه قراءة الحيرة من الخطوات. فبعد ساعات بين جلوسٍ ووقوف مع أصدقائه بالمعهد لمرةٍ أخيرة، يودعهم بأسى ويهديهم محاضراته المنقولة وبعض لوحاته ويهجر تلك الأرض الملونة إلى أرضٍ أخرى لم يرها بعد. يبحث طوال الوقت عن صاحبة الحذاء الورديّ، يرفع رأسه إلى أعلى فيجدها في انتظاره كعادتها خلف النافذة،فيقرر الصعود إلى شقتها. تفتح له الباب فتقرأ في عينيه الزرقاوين الرحيل. دفنت لبنى رأسها الصغير في صدر طه، احتضنها واستسلم لقداسة تلك اللحظة. يقول الطريق إن البقعة التي تضم حبيبين خُلقا من نفسٍ واحدة تشعّ نوراً يضيئه، مثلما أضاء الحب جوانحَهما. قال الطريق أيضاً إن الحبيب ليس بأعمى وإنما هو بصير. لا يمكن لأحد أن يفهم سر صمت والدة لبنى عندما شاهدتهما متوحدين في ضمّةٍ طويلة، ولا التكهّن بما سوف يحدث بعد دقائق إذا وصل أخوها ورآهما... اللحظة أسمى من كل خوفٍ وظنّ.
كيف ستبلّغ الحذاء الورديّ أيها التوسكاني أنك لن تذهب إلى أرضٍ بعيدة فحسب وأنك لن تُحرم من رؤيتها وحديثها فقط؟ كيف ستخبرها أنك ستركب طائرةً مع الدفعة الجديدة وتحلّق إلى السودان لتبدأ حياتك العسكرية هناك؟
كيف يودّع أبناؤك أيتها الأرض بعضهم بعضاً؟ كيف للأم أن تلد جنينها وتفطمَ رضيعها وتتركه يمضي وحيداً؟ كيف ستفعل ذلك نبيّات؟

Saturday, 31 January 2015

تفاح ساخن بالقرفة





سأخبرك بشيء ،أتساءل كل ليلة كيف يسع قلبى الصغير هذا العالم، كيف يتفقد وجوههم بشجاعة ملك موت، ويسامحهم بسرعة وصول الورثة ؟ وكيف أحلم ولا أتذكر الحلم فأعود إلى وسادتى فى الليل فأجده طازجا كما تركته فى الصباح؟  لماذا وأنا أتزين لك أشم رائحة "بانكيك" أمى الوردى ملقى بجوار أباجورة مضاءة قديمة الطراز مطعمة بالأحجار وثوب أحمر معلق على الحائط فى لوحة مصنوعة من البهرج الفضى؟  ولماذا ذكرتنى يداك بغرفة صنع أبى جدرانها من الخشب، وكل أحاديثنا عن غابات حزننا الكثيفة؟ ولماذا تقول بعينيك :لا تجلسى على مقعد أدفأته امرأة قبلك، اجلسى ها هنا على بكارة ثلج قديم  فى روحى سيذوب ويحملنا إلى مدينة ملاهى؟ ثم لماذا أجلستنى فى مواجهة العالم؟  وجعلتنى عالمك الذى تبصر؟ ولماذا التقطت علكتى الممضوغة حتى آخر ذرة سكر ولثمتها وهزمت مرارة فمى تحت أضراسك؟ لماذا أنت هكذا كعصير تفاح ساخن معبق بعيدان القرفة الملفوفة؟ وكالكراميل فوق شيكولاتة ساخنة؟ لماذا أحبك؟

Sunday, 21 December 2014

بغداد ..المَن والسلوى ..





(1)
      
لم  أكن أدرى أننى اليوم سأترك مقعد الراوى وأهبط إلى عمق الحكاية المكتوبة, فأعزفُ لحناً على "الجَوْزَة" العراقية وأحلّق بعيداً عن سماء مصر فأحطّ على أرضٍ وُلد التاريخ من رحِمِها, مخلّفةً كل تحذيرات الأحبّة والأصدقاء فى دفتر أمى الأزرق القديم, حيث أكتب بخط يدى كما شاء لها أن أكتب : " إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ", آية سورة القصص,التى أنزلها القاصّ الأعظم, فيشاء أن تكون "قصة" كتبتُها سبباً للسفر إلى "العراق" سرة الأرض ومركز الدنيا..
فى الطائرة ,التقيتُ بـ"وئام" , جارتى التى جلست إلى جانبى, من كلمتها الأولى لم أتبين سوى حرفين صحيحين على الأكثر : الألف والنون, فعرفتُ أمر جارتى الصغيرة وما تعانيه من صعوبةٍ فى السمع والكلام, بابتسامةٍ عريضة ساحرة يؤطرها حجابٌ وردى وبعينين هما  كل ما تملك من أدواتٍ للتعبير, فاضت "وئام" بجمالها وشجنها الداخلى وأشارت دون أن تشعر, إلى النبأ العظيم المختبىء فى بلاد الرافدين , تريد أن تحكى وتشكو وكأن لا وجود للسان واحد صحيح يمكنه شرح الجرح السارى بينهما ..!
نامت "وئام" وتركتنى للفضول والحُلم ,هبطت عبرة لم أستجدِها من عينٍ تراقب بلادى مبتعدةً تدريجياً من نافذة الطائرة البعيدة أيضاً, حائرة تريد أن تحط على كتف الحديقة البابلية الصغيرة النائمة إلى جانبى, يمرّ ببالى برج بابل وأحلام السلطة الكذوب التى لا تكتمل مثله أبداً, تأتى المضيفة لتضع فى حجرى ثلاث سمّاعات للأذن لى ولجارىّ النائمين,لماذا أنا يا "وئام" أعطيك هدية مزعجة كهذه؟ فوضعت سماعة كل منهما فوق مسند كرسيه, ثم أسقطتُ سماعة "وئام" عمداً بمرفقى, أحببتُ جريمتى الصغيرة تلك والتى أعادتنى إلى جرائم الصغر حيث لا مكان لسوء النوايا ,أحببتُ النوم جداً فى تلك اللحظة إلى الدرجة التى جعلتنى أريد الذهاب إليه لأحتضنه.
احتوت "بغداد" عجلات الطائرة ثم هبطنا جميعاً منها, وقبل دقائق رأيتُ من أعلى دلتا ,ذات طَفْلة صفراء بفعل نهر يخترق الصحراء,  فى حافلة المطار حدّثتنى "وئام" ببضع كلمات تريد بها التأكد أن هناك من ينتظرنى وأن بيتها البغدادى مفتوح, تأملتُ جيرانى الهادئين بصورةٍ أفضل,فرأيتُ أشياء يتفق فيها أغلبهم: أنوفهم القيصرية المتشابهة وشواربهم الكثيفة التى تملأ الحيز الواسع فيما بين الأنوف والأفواه, وعيونهم الحزينة المتأمّلة ...والصمت ..  آخر ما تركت لى جارتى منها يدُها البيضاء بخاتم ذهبى غاص فى كفى, وقبلة على خدى, وترقب حذِر لما هو مكتوب على أعتاب مدينة المنصور المستديرة :بغداد..!
استقبلنى هواء بغداد بترحاب يقارب جو الخريف المصرى, كريم وحانٍ ولكنه مشبّع بالظمأ , معتلّ بالشجن , هواء جريح يدور حول أرضٍ حزينة, كيف للأقدام القاسية أن تطأها؟ وألا تهدهدها وتترفّق بها؟ العيون البغدادية ترمق الفتاة المصرية الوحيدة والتى تبدو –برغم كل شىء- متحمسة, لا تتأفف من الانتظار فى طابور الجوازات, تتأمل عمال النظافة "البِنجال" يستلمون العمل فى جماعات, وضباط الميناء الجوى وقد أشبعتهم عيون الغرباء شكًّا وريبةً مازال بوسعهم أن يبتسموا, يلتقطها مبعوث وزارة الثقافة العراقية ويساعدها على إنهاء الإجراءات, وهنا على الحائط النحاسى الكبير المزخرف بكلمةٍ واحدة :"بابل" فُتحت بوابة مدينة الدنيا وبدأ طنبورٌ أكدىٌّ قديم يعزف على أوتار قلبى فى عناقٍ أوّل طويل بينى وبين "العراق" على صدر "بغداد", ثم التقيتُ برفيقة الرحلة "صباح الدبّى" الشاعرة المغربية الجميلة للمرة الأولى والتى تزور العراق للمرة الرابعة, وقد انتزعت منى الضحكة الأولى فى غمرة انتباه حواسى كلها حيث هتفت "صباح " فى مبعوث الوزارة: "أين هم داعش يا مصطفى؟".
فى السيارة, وفى الطريق إلى فندق المنصور, زاغت عيناى على كل شبرٍ نمرّ به,  استوقفنى تمثال "عباس بن فرناس" المجنّح, العالِم الفيزيائى العظيم الذى أنصفته بغداد بالذكرى, صاحب أول طائرة شراعية حلّقت به فى التاريخ ومات على سريره بعد اثنى عشر عاماً, الرجل الذى ظُلم فأُشيع عنه كونه الأحمق الذى طار من فوق جبل قرطبة وسقط ميتاً..ودعوتُ لبغداد, وللعراق كله ,دعوتُ له بالإنصاف الذى يمارسه مع المظلومين..
تفترش النخلات الباسقات الأرض, تصل أحلام بغداد بالسموات, وتقف مدرعات ودبابات الجيش العراقى على مداخل ومخارج الشوارع بكثافة للتفتيش, وبدأتُ أتحسس شعوراً حيًّا نابضاً فى جسد أهل المدينة , تدق طبول الأغنية الحماسية فى سيارتنا وتتداخل كلماتها مع تبادل التحايا بين السائقين والمارة والضباط والعساكر, "طَقّت ولْا مَا طقت احنا الموجودين ", تجوب السيارة شوارع بغداد الأصغر, تكسو البيوت آثار الشعور النابض ذاته فى ساكنيها , محال "حبّات فلافل " وعربات يهتم أصحابها بزخرفتها رغم بساطتها , البغدادى يزخرف الحزن بروح رسّامٍ عبّاسى ,كل شبرٍ فى بغداد يقاوم..يقاوم اليأس والخوف والترقب ..وكلابَ العدو المتربصة فى الشمال والعدو الأمريكى ذاته المتوارى خلف المنطقة الخضراء..
وصلنا إلى فندق المنصور بشارع الصالحية فى منطقة الكرخ, حيث استقبلنا وفد من وزارة الثقافة العراقية بترحابٍ بالغ, دار حوارٌ قصير بيننا , كل منا متلهّف لمعرفة أحوال الآخر فى بلده, كنتُ مأخوذة بالشكر والعرفان لقطرٍ شقيق يستضيفنا فى محنةٍ وضائقة, وكانوا مأخوذين بالاطمئان على مصر : كيف حال أم الدنيا؟ هنا فى بغداد لن تتمالك دموعك من فرط التأثر والكرم عندما يأتى ذكر مصر, من الصدق الجلىّ الذى يسكن كل حرف فى لهجتهم العربية التى تتخللها حروف أورية و آشورية, وسألوا : لم تخافى من المجىء؟ قلتُ لا والله, ولم أكن أدرى لماذا لا أخاف, الآن فقط علمتُ السبب..


(2)


أكرَم الخليفة أبو جعفر المنصور الضيفة المصرية ومنحها شرفةً بغدادية تطلُّ على "دجلة" الخير, تحاول أن ترسم صورةً بخيالها لقصره الدجلاوى : قصر "الخُلد", وترسلُ مرثيةً طويلة من عينيها إلى ذكراه, تبحثُ عن طللٍ واحد يشفى قلباً  كشراعٍ يجرفه فيضان النيل, ويدين مخضبتين بغرينٍ نبت فيه الشوق كله.. يتدفق ماء دجلة بين هدأة المانح وعجلته, كأنما يريد أن يفيض ولا يقدِر, يقسم بغداد إلى كرخ ورصافة, وليس له من شريكٍ فيها ولا حتى قرينه "الفرات" نهر سومر الثائر, المباغت فى فيضانه دون إنذار ومهد حضارة بلاد الرافدين..
إلى يمين شرفة المنصور, يلوّح "الرشيد" إلىّ بيده من الشارع الذى يحمل اسمه , حيث تبرقُ قبة مسجد "الحيدر خانة" الزرقاء بزخرفةٍ بهيّة مبهجة, وسط تكدس البيوت والمبانى المحيطة وزحام الأسواق, وبقايا آثار لبوابةٍ عريقة بأعمدةٍ, ولمدرسة لم تعد موجودة تحمل اسم ابنه الخليفة "المأمون", مؤسس بيت الحكمة أول جامعة فى الدنيا, بعد أن زاره "أرسطو" فى المنام وسأله: ما الحُسن؟ فقال له "أرسطو" : ما حَسُن فى العقل..
بعد راحةٍ قصيرة, بدأنا نستعد إلى الاقتراب من دجلة أكثر فى نزهةٍ على شاطئه.. أرجِع البصر كرتين إلى دجلة, فلن ترى فيه من عيبٍ, ينام على خديه سهولٌ خُضر وتعانقه من أعلى أشعة شمس "بغداد" : أيادٍ تلامس صفحته فتُحيل اللجين إلى تبرٍ.. ليت شعرى, كيف وصفوكَ؟
غابت الشمس, وراقبتُ من شرفة المنصور مضيفى أول ليل فى بغداد حيث  تتسلم  روح الإله "ننار" السومرى :إله القمر, مقاليدَ مدينة السلام, يضوى نهر دجلة بالأنوار المعلقة فوق جسر "الرشيد" والتى تشكل أهراما زرقاء متتابعة, بينما تتحوّل المدينة فجأة إلى عرسٍ كبير يزهو بأثواب الزفاف البيضاء وبطبولٍ ومزامير, فيعيش المرء فيها ليلةً واحدة بمقدار ألف ليلة مما يعدّون, فى كلٍّ منها تُزّف عروس  عشتارية إلى حبيبها "تموز".. خمس أعراس فى فندق المنصور وحده ليلة وصولنا إلى بغداد, تلك أيام جميلة تكثر فيها الأفراح, تسبق أياماً حزينة يحّرم فيها الزواج لمدة شهرين متتالين فى البلاد, إحياءً لذكرى عاشوراء واستشهاد الحسين رضى الله عنه..فلا تحسب نفسك غريباً إذا ما صادفتَ فرحة عرس, ستجد نفسك وسط الجمع ,سيحث رفاقك البغداديون الفرقة الموسيقية على عزف لحن مصري شعبي من أجلك, ليلقوا التحية بإعداد زفة خاصة لك , ستمسك  أم العروس بيدك وتراقصك , ستقبّلك وتحمّلك سلاماً إلى أهلك وتطلب منك تصويرها, , والمرأة ذاتها بعد عدة أسابيع ستسافر إلى "كربلاء" لتبكى أمام ضريح الحسين كأنه رضى الله عنه قُتل أمامها من جديد وتوزع الماء لتروى ظمأ حفيد النبى صل الله عليه وسلم, هكذا فالضدان بها مجتعان , شىءٌ لن يحدث سوى فى دار السلام..

فى شارع "أبو نواس" يصطف أهل بغداد يبثون "دجلة" الأفراحَ والأتراحَ واقفين على ضفته أو جالسين فى المقاهى والمطاعم والمراسى المطلّة, وصلنا إلى مَرسَى "الجادرية" العائم, وصعدنا إلى أعلى, هنا يقرّ الوَنَس, فينتشى مَن شَفّه الهم, ويتسامر الأصدقاء ويسكر الأحبة من اللقيا, وهنا  أنا فى قلب "دجلة" هو سامرى وحدى ولو فاض سمّاراً ... تصاعد تدريجياً من أسفل صوت "ﭬيولينه" مدللة الأوتار, فتقافزت قلوبنا فرحاً عندما وجدنا شاباً يحتضنها وكان يجربها فقط, فطلبنا منه ونحن فى الطابق العلوى للمرسى أن يعزف شيئاً وظلّ يعزف حتى رحلنا, صفّقت القلوب قبل الأيدى ثم غادرنا, وبدأنا نمارس شيئاً جديداً لأول مرّة سنحاول أن نعتاده فى بغداد: أن نخلّف قطعةً من قلوبنا فى كل أرضٍ نطأها ..
 أسندتُ رأسى فوق الوسادة, ومنها الفِكَر تتطاير شظاياً وردية على سيرة "أبى نواس", يُسلِمنى "الرشيد" إلى شعره, فأتخيّلنى حبيبته "جنان" يردّ علي فِكَراً بشعرٍ:

إذا التقى في النـوم طـيفـانـا  عاد لنا الوصلُ كـمـا كـانـا
يا قرة العـين فـيمـا بـالـنـا     نشقى ويلتذ خيالانـــــــــــــا

 (3)


استيقظتُ على صوتها ,تمدّه وتُقطّعه شدواً , هرعتُ حافيةً أرقُبها من خلف ستائر شرفة المنصور فأبصرتُ حمامةً رمادية من حمائم "بغداد", حطّت فوق السور ساكنةً, طويلة الرقبة, بيضاء الطَّوق, لها منقار ينحنى بلطفٍ, هل هى "زاجِلة"؟ وهل حملت جدّاتُها مراسلات الحكام والسلاطين فى الزمن القديم؟ أى الرسائل تحملين اليوم أيتها القُمرية؟ وممّن؟ أى رسولة محبة  حمّلوها سلاماً من الضفة الأخرى إليّ؟
على بعد خطواتٍ قليلة من ضفة "دجلة" صعَدَت نسائمٌ إلينا, تهزّ من أشجار التوت أوراقها,  تغمرُ صدورنا على مهلٍ فنتنفسها بعمقٍ ونزفرها ببطءٍ فى لذّة وكأنّها ريح الصَّبا, ثم دلفنا إلى قاربٍ مع الصحبة يقوده "حَيدر", أزيز المحرك يُشعل ماء النهر, ثم يخفت تدريجياً مع أصواتنا المتحمسة ,نصمت.. فنسمع لدجلة خريراً ونشتمّ له رائحة يعطفها عناق القارب الصغير, لمستُ بأناملى الماء وشعرت بأنهرٍ من المحبة والألفة باسم دجلة قد شُقّت فى قلبى, آنس بجزيرة خضراء القلب فصيحة اللسان ,تلتقط صوراً لى معه :الكاتبة البهية زينة بو رويسة من الجزائر..
وصلنا سريعاً إلى الضفة الأخرى وكان فى انتظارنا "المتنبى" رافعاً يده التى تمنح صكّ الشعر لأحفاده, ودواة حبرٍ تحت قدميه أُغمدت بها ريشته, تتنزّل عليهم هِبات ربة الشعر "أنخيدوانا" فى يوم الجمعة المبارك من كل أسبوع حيث يقدّمون قرابين الفن المقدسة ..عن يسار أبى الطيب, ساعة "القَشلة" العثمانية الباسقة وعن يمينه المركز الثقافى البغدادى وبين يديه العراقيون يتطيّبون بمسك الكلمة..
الشعر..يُلقى فى الساحة أمام تمثال "المتنبى", يبدعون فى حضرته وبحورُه تتقطّر فى آذاننا, بالونات وردية ترتفع إلى أعلى , تصافح أصوات الشعراء التى تحملها أوتار عود شجىّ.
اجتزنا بوابة المركز الثقافى البغدادى, وقفنا نتأمل الباحة الكبيرة حيث صور فوتوغرافية ضمن حملة توعية صحية أقامتها اليونيسيف, وحيث تُعرض الكتب النادرة لكبار الأدباء والشعراء, ثم بدأنا نتجول فى أروقة المكان الأثرى المكوّن من طابقين, شديد الشبه فى معماره ببيوت مصر الفاطمية, يضم عدداً كبيراً من القاعات التى يحمل كل منها اسم عالم أو أديب أو فنان, ففى قاعة "جواد سليم" قراءة لقصائد للأطفال على هامش أسبوع النزاهة الوطنى, وفى قاعة "مصطفى جواد" محاضرة حول رابطة الأنساب فى العراق والوطن العربى, أما فى قاعة "حسين على محفوظ" فدارت ندوة حول البحث العلمى ومعيار الجودة العالمى كمنهاج للتقدم, وعُرض فى قاعة "ألف ليلة وليلة" الفيلم الوثائقى "سبايكر", ثم أبهرتنا لوحات فنانى بغداد فى قاعة الفنون التشكيلية إذ جسّدت ملامح الشخصية العراقية بين الواقع والخيال ..
أصبوحتان شعريتان لرابطة شعراء المتنبى ومجموعة صناع الأدب أُقيمتا فى قاعة "نازك الملائكة", واستضافت قاعة "على الوردى" محاضرة عن المرأة والقانون, ثم سَمِعنا على عتبة قاعة "مسرح الشناشيل" صوتاً عذباً فيه حلاوة وفيه طلاوة, لم يكن هناك موطىء لقدم من شدة الزحام, ولكن فى دقائق معدودة أفسح لنا الشباب البغدادى أماكن للجلوس فإذا بفنانٍ عراقى أصيل هو"طه غريب" ينشد من شعر أبى فراس الحمدانى ويعيد على مسامعنا ما غناه ناظم الغزالى الخالد فقال :
أقولُ وقد ناحت بقربى حمامة:   أيا جارتا لو تشعرين بحالى؟ 
اغرورقت العيون بالدموع, واحتبست الأصوات فى حناجرها وفاضت القلوب وسكرت العقول و"طه" يحرّك مِسبحته ويشجينا   :
 أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا   تعالَى أقاسمك الهموم تعالَى.
صفّق الحضور على إيقاع الأغنية المتغيّر من الموال الحزين إلى المفرح ولكن لم يكف دمع ثلاثتنا عن الهطول :"صباح" و"زينة" وأنا, لا ندرى أى قوة فى العالم بإمكانها أن تظفر بدموع مغربية وجزائرية ومصرية فى ذات اللحظة على صدر بغداد, كيف يفيض القلب جمالاً وفرحاً وحزناً هكذا؟! برقت الأنوار وتوحّد غناء الجمهور مع "طه" ونبضٌ بى فوق نبضى يوشك أن يرتجّ له زجاج الشناشيل الملون!
 أعجِب بتلك الأرض وساكنيها , ففى حديقة "القشلة" يتضح حرص العامة على إلقاء الشعر الشعبى, وسوف تضم كل مظلة خشبية مجموعة من العازفين والمطربين يقدمون فنّهم لجمهورٍ مستمع متذوق ,فى تناغم بديع بين الفنان والمتلقّى, وبين الشاب والشيخ حيث تتوافق أذواقهما, أباريق النحاس الأصفر تزيّن حديقة القشلة وتقف ساعتها الكبيرة المطلة على "دجلة" فى ثباتٍ وعناد.
كما ينبّىء المتنبى من أخبار الأقدمين فإن الذى يعرفه القرطاس والقلم حق المعرفة يحتفظ بصناعة الورق إذ تضمّها ضفاف الأنهار على مر العصور , هنا سوق القراطيس حيث مستلزمات الطلاب فى المدارس والجامعات, والكتب المفروشة كبضاعةٍ رائجة فى الشارع العتيق..ثم وُلدت بهجةٌ غير متوقعة, كشجرٍ أثمر لتوّه فى الممشى فامتلأت أقفاصٌ برمانها ذى القشرة الصفراء على جانبي الطريق, يُعد منه العصير المفضّل لدى العراقيين فى أوانه من كل عام..

 خطوات قليلة وتواجهنا لافتة : "مقهى الشّابندر-مقهى الشهداء-الحاج محمد الخشّالى", نحتسى الشاى العراقى مسكوباً فى أكواب صغيرة حتى الحواف مع سكّر زائد غير مذاب, نرشفه جالسين فى مقاعد متراصة جنباً إلى جنب, نتأمل صور لزعماء وأدباء وفنانين تغطى جدران المقهى الشهير إلا قليلاً, أبرزها صورة فوتوغرافية لسيدة فى زى شعبى منتصبة تمسك بعصا طويلة يغوص نصفها فى الماء وزوجها جالس يضم طفلهما فى قارب الصيد الصغير, هنا يلتقى أعلام الثقافة والسياسة والفن منذ عام 1917 , حيث كان المقهى جذوة للمقاومة على مرّ العصور فخرجت منه مظاهرات فى أثناء الاحتلال الإنجليزى, واكتوى بنار الإرهاب فدُمّر 70% منه عام 2007, وفقد صاحبه محمد الخشالى أربعا من أبنائه وحفيداً من جرّاء الحادث الأليم..
وكعادة الأشقاء هنا فى دار السلام, عندما يأتى ذكر مصر تخرِج الصدور ما يجيش فيها من عشقٍ لها فحمّلنى أديبٌ من "آربيل" سلاماً لها ولأهلها..
حمل قاربٌ آخر أجسادنا إلى الضفة الأخرى من النهر, وعيوننا معلقة  على المتنبى : النسخة الأحدث من أسواق عكاظ وذى مجنة وذى المجاز , أما قلوبنا فمرهونة بالعودة إلى هناك, ثانيةً أجد حمامة جديدة على سور شرفة المنصور تنوحُ فأقول لها:
 أيا جارتا لو تشعرين بحالى؟


(4)

كنتُ قد قرأت اسمها قبل عدة أيام وذلك منذ اليوم الأول لى فى ضيافة المنصور, ولم أكن قد رأيتُها بعد, أما الآن فأنا أقف عند بوابتها, أنتظر للحظات قبل أن أعبر إلى الداخل, أريد أن أجمع شتات روحى الممزّقة على عتبتها: "قرطبة".. هكذا أسموا القاعة التى ستتغير فيها حياتى للأبد , السلامُ عليكِ يا درةَ الأندلس, كأنك تشرقين من خلف جبل "العروس", تحوك أصابُعك على عود "زرياب" الموصلىّ وتراً جديداً فيضرب لحناً سماوياً يتّكىء على الوجيعة, موالاً طويلاً بمقدار ليلةِ قدرٍ فى جامع قرطبة فقيدت شموع الثريّات كلها, وأضاء منبر صُنع من أبنوس وبَقس وعود المِجمَر, وأُخرِج مصحفٌ يحمله رجلان خطّه "عثمان" رضى الله عنه بيمينه ودمه قاطرٌ فوقه.
أحمل قلبى التَّواق وأجلس, تبرق الأنوار فى عيني الدامعة , أساءل قرطبة على أرض "بغداد" : مَن الذى شيّد التاريخ ؟ ومَن الذى طمسه ومحاه؟  تمتد يدٌ كريمة لتهدينى العدد الأخير من مجلة "ثقافتنا", وكعادتى أفتح بشكلٍ عشوائى لتستقر قرعة القدر على صورة  "غلامٍ ضاوٍ نحيل, كأنه قصبة, رُكب رأسه المستدير كأنه حبة الحنظل, على عنقٍ دقيقة تميل إلى الطول وعلى جانبى الرأس أذنان كبيرتان, وتحت الجبهة المستعرضة التى تنزل فى تحدّب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فمٌ واسع", هو فم بدر شاكر السيّاب الشاعر الـﭼـيگورى العظيم كما وصفه "إحسان عباس", برز اليوم من بين الصفحات ليحتفى برائدةٍ زاحمته شعراً , تُنثَر على ذكراها الكلماتُ الوردية وتُقام من أجلها اليوم احتفالية تسليم جوائز المسابقة التى تحمل اسمها المتفرّد, إنها نازك الملائكة رائدة الشعر الحر..
تتعانق الأكف ونتبادل التحايا مع شقيقات العروبة هنا وهناك الفائزات بجائزة نازك الملائكة فى الشعر والقصة والنقد الأدبى,تربت على كتفى عن يمينى ياسَمينة فينيقية حملتها إلينا روح الشعر من ميناء طرطوس, ليندا إبراهيم شاعرة سوريا المتألقة..وعن يسارى القاصة "زينة بورويسة" ضاحكةً مستبشرة من الجزائر, و"صباح الدبى" شاعرة المغرب تطل علينا بثوبٍ أخضر يطير بنا إلى هناك, ومن لبنان جاءت الشاعرة "نور حيدر" تحمل شُجَيْرتين من الأرز فى عينيها وجنيناً حملته –لم يولد بعد-خشينا عليه طيلة الرحلة, أما العيون العراقية الحنون فقد أحاطت بنا وأسرتنا كرماً ,القاصة المستشارة إيمان المرعبى والأساتذة الأكاديميين د.فاطمة بدر ود.نادية سعدون د.ماجدة هاتو هاشم والتى أهدتنى كتابها فقرأت إهداءًا لم أقرأ مثله من قبل :
"ابنتى ﭬيان , علّى أدانى بعضاً من تفوقك الأسطورى.
ولدى مصطفى , أهكذا كل ولد, أم لم يلد قبلى أحد؟"

"ن والقلم وما يسطرون ", "نون النسوة" يا سيّاب , و"نون" نزحت من الموصل,.. وكل "نون"..

وننتظر..

وتُنادَى أوطاننا وأسماؤنا فننهض نتسلّم هدايا "نازك", لحظات.. كالتى يذوب فيها سكر الشاى البغدادى الداكن فتحلو الحياة, ويتعطر هواء "قرطبة" بعطور الفرح, ستختفى الحدود وتمتزج الضحكات وتتشابك تماثيل "نازك" المتشابهة فى أيدينا..

وانتظرناها ..زائراً لم يجىء..!

"وما كنتُ أعلم أنّك أقوى من الحاضرين
وأنّ مئات من الزائرين
يضيعون فى لحظة من حنين
يمدّ ويجزرُ شوقاً إلى زائر لم يجىء..!"


(5)

أشعر ببرودةٍ شديدة تجتاح جسدى من تحت الأغطية البيضاء, الرعد يهز شرفة المنصور بقوة , ظَلّ البرقُ يجىء ويذهبُ, ولا شىء أفكّر فيه سوى رعدة" المأمون" الأخيرة :
"البَرد ..البَرد.. يا مَن لا يزول ملكه ارحَم مَن زال ملكه..يا من لا يموت ارحم مَن يموت"..
يومٌ أخير , أمرّ فيه على كل شىء هنا فى "بغداد", سحر "دجلة"  ونوح الحمامات وحكايات "الرشيد" وصخب "أبى نواس " وروعة "المتنبى" ..طعومات وروائح تُصنَع بتأنٍ وعلى مهلٍ, السمك "المسگوف" ينضج على لهبٍ لا يمسُّه, مصلوب على الصبر الذى لا ينفد من قلوب العراقيين التى أنضجها الزمان, الأيدى المُحبّة التى تطعمُنا , تناولنا "خبز اللحم" معجوناً بالحنين مختمراً على مقامات فقدٍ طويل..يرددون تلك الكلمات البسيطة الحاسمة على ألسنتهم : "گلّش" و"ماگو" ,  يقضمون فاقتهم , تأبى نفوسهم الرقيقة ذبح الحمائم فلا يأكلونها أبداً, منتصبو القامات مثل نخيل"التبرزَل" أخضر الجذع بشوك كثيف يطرح رطباً بلون الكهرمان, لحمه ليّن لا ينكمش نحو اللب ,نادر الألياف غير لاذع الحلاوة, ينضج أيضاً ببطء..
مخاضٌ وراء مخاض لا يفارق هذا البلد , ولكنه يؤتى ثماره فى  كلّ حين..
"مو حِزِن..لكن حَزِين"..
فى آخر الرحلة, دعانى "المنصور" إلى شارعٍ يحمل اسمَه لأتذوق الحلوى العراقية, فأبصرتُه عبر زجاج الـﭬـاترينة مغموراً فى الطحين الأبيض, واسمُه منسوخٌ بوضوح :" مَنّ السَّما"..وأحياناً يلقبونه بـ"المَن والسَلوى", امتدت يد الحلوانى إلىّ بقطعةٍ منه ملفوفةً فى الطحين وتذوقتُ لأول مرة الحلوى العجيبة ذات الاسم الأعجب, ذلك الطَلّ السماوى الذى يهبط كالثلج على شجرٍ أو حجرٍ, يشتد بياضه أكثر من اللبن, يحلو وينعقد عسلاً ويجف جفاف الصمغ..
"قل لى يا حلو منين الله جابك؟"
صف لى شعورك وأنت تتذوق قطعة من السماء أو ندفة من السحاب..
شردتُ وأنا ألوك القطعة المحشوة بالفستق, أتأمل المصادفات التى وضعنى أمامها "المنصور" : المَنُّ للمَمْرور, والسلوى لمن لا يجد ما يُسلّيه ويذهب همه وحَزَنه..كيف ذابت الآلام على تلك الأرض وحلّقت الأمانى إلى جَنائِن الإمكان فى سمائها؟
غزَل أحفاد "عشتروت" سنابلاً من الفرح فى قلبى, وهم ينزفون..! الأعين نضّاخة والوجيعة فضّاحة واليد التى تُطعِم لا تُطعَم ..
حصارٌ للبطون وللعقول وللأحلام لم ينتهِ بعد, أبداً لم يفلح مع الرجل العراقى الذى لا يستسلم, ولا مع المرأة صانعة المعجزات, انكسرت مطامعُ الطغاة والغزاة على أهلّة الإبتسام فوق وجوههم, يتشبثون بنبوءات التاريخ ويوقنون من النصر المحقّق..ولكن إلى متى يا عرب تسرى الجراحات فى جسد دجلة والفرات؟
نَم مطمئناً يا الـمأمون , أثق فى بيتِ الحكمة الذى تبنيه الهوية العراقية من جديد, إنى لأشم ريحَ اليُسر يأتى من خلف العقول المستنيرة والقلوب النابضة بعشق الوطن ..
"دثرونى ..دثرونى "..
 إن  الرسالة السويّة التى وُلدت غريبةً فى "مكة" برعدة محمد صل الله عليه وسلم فى قلب غار حراء تسكنُ قلوبَ حامليها حتى مماتهم,  تضم أجنحةُ الروح القدس "جبريل" أفئدتهم مجدداً مع سطور القرآن المنزّل..تفتح ذراعيها بكل تسامح لقلوبٍ مأهولة بالحب أياً كان اعتقادها..
القلوب العراقية الجُمّارية تذوب فى عشق الوطن الواحد..تدثّر محمَّداً وتسقى الحُسَيْن..ينشدون جميعاً :
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي
هـــــلْ أراكْ فـي عُـــلاكْ
تبـلُـغُ السِّمَـاك تبـلـغُ السِّـمَاك
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي
الشبابُ لنْ يكِلَّ هَمُّهُ أنْ تستَقِـلَّ أو يَبيدْ
نَستقي منَ الـرَّدَى ولنْ نكونَ للعِــدَى
كالعَـبـيـــــدْ كالعَـبـيـــــدْ
لا نُريــــــدْ لا نُريــــــدْ
مَــوطِــنــي مَــوطِــنِــي
الحُسَامُ واليَـرَاعُ لا الكـلامُ والنزاعُ
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي

أدفع حنينى إليها مع حقائب السفر ولم أفارقها بعد, أتفقّد الوجوه كآخر صلاة, أتنفّس بعمقٍ لا يطاوعنى فيه صدرى المتخم بالتنهيد, أصعد بخطواتٍ ثقيلة كالرمال, وبفمٍ لم يُنجز قُبْلتَه بعد, أجلس ثانيةً فى مقعد الطائرة العائدة إلى بلادى, أبصر مدينة المنصور من أعلى كمرآة صقيلةٍ للروح لا تصدأ, أدرك كم أنا مغرقة فيها, أضع راحتى على قلبى وقد وشمتُ اسمها أبداً فيه : بغداد مَنّى وسلواى..