Friday, 24 October 2014

غادة العبسى تفوز بجائزة نازك الملائكة للإبداع النسوى -2014 عن قصة "مانوليا"







دعت وزارة الثقافة العراقية، الكاتبة المصرية غادة العبسي؛ لحضور حفل توزيع جائزة "نازك الملائكة" للإبداع الأدبي النسوي في دورتها السابعة لعام 2014، بعدم حصلت قصتها "مانوليا" على المركز الثالث في مجال الإبداع القصصي.
يقام حفل توزيع الجوائز، السبت المقبل، بفندق المنصور بالعاصمة العراقية بغداد، بحضور لفيف من السفراء العرب والأدباء ورجال الثقافة والإعلام من مختلف الدول العربية.

وقد حصلت القاصة العراقية إيمان راضي عبد الحسين على المركز الأول عن قصتها "أرض حمراء" وجاءت القاصة زينة بو رويسة من الجزائر في المركز الثاني عن قصتها "أوقفوا المزاد!"، أما المركز الثالث فكان من نصيب القاصة المصرية غادة محمد العبسي عن قصتها "مانوليا".
وقد أقام التليفزيون العراقي الرسمي لقاءً مفتوحًا مع جميع الفائزات بالمسابقة، كما اهتمت قنوات عديدة بنقل فعاليات الاحتفال وتسليم الجوائز.
وحصلت على المركز الأول في مجال الشعر، الشاعرة اللبنانية نور حيدر عن قصيدتها "مجهولة العنوان"، وحلت في المركز الثاني الشاعرة ليندا إبراهيم عن قصيدتها "سيرة العاشقين"، وجاءت الشاعرة المغربية صباح الدبي في المركز الثالث عن قصيدتها "هل كان حزنا؟".
يذكر أن غادة، المصرية الوحيدة التي فازت بالجائزة لهذه الدورة، كما حصلت على المركز الأولى في المسابقة المركزية الأدبية بهيئة قصور الثقافة المصرية عن مجموعتها القصصية الثانية "أولاد الحور"، ولها مجموعة أولى منشورة تحت عنوان "حشيشة الملاك"، وتعكف حاليًا على الانتهاء من روايتها الأولى.

http://www.elwatannews.com/news/details/580289      :  رابط القصة الفائزة -جريدة الوطن

بريد إلكترونى :dr.ghadamohammed@gmail.com    

Friday, 4 July 2014

خُفَّا حُنيْن




وصلا متأخّرّين  وكان ميعاد الزيارة قد انتهى, امتعضَتْ فلم يحتمل خيبة الأمل التى اعتلت وجهها ,رشى الحارس ودخل من البوابة, سبقها إلى الداخل وكأنه يدعوها لدخول قصره الكبير! مشت على استحياء محاولةً أن تتأمل الجدران والشرفات والرخام الذى يصطدم بكعبها العالى فيصدر صوتاً يخيفها ..لم يكُف عن مناداتها ..مستمتعاً برنين صوته وهو يصدح باسمها بين أركان الفراغ الواسع .. أتُراه يترك حروف اسمها عند كل جدارٍ ليألفَها ويرحب بقدومها,أم ليسجّل ملكيتها له؟! أمّا هى فحُرية النطق به وعذوبة سماعه من ثغره والقصر ثالثهما شىءٌ يصعب عليها تصديقه فى تلك اللحظة..!

قالت فى نفسها "ماذا عساى أن أفعل فى الصوت الذى يسكننى الآن ؟ الصوت الذى ترتج له أعماقى ؟ صوتٌ لا فكاك منه ..صوت مقتحم  لم يَطرق باباً أبدا من قبل  , تشّرع له الأبواب ذاتياً ليدخل قلبى ..متآمر صوتك مع أبواب قلبى .."يعملوا مؤامرة علىّ ؟" ...نعم فتحت كل شىء ..غزوت دمى وزرعت نبتتك فى كيانى .. "ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص" يقول الغزّالى ..وَجْد! هذا هو تماما..سواء كنتَ هامساً  فى أذنى برقة فأخشع بروحى تحت وطأة الهمس وجبروت الهمس وروعة الهمس الرجولى  ,أو متحدثاً بعدم اكتراث بكلمات تحسبها تمر مرور الكرام على قلبى !, متظاهراً بالشدة فألين  , مستسلماً لدلالى فأغترّ, محاوراً بجدية فأصمت , ضاحكاً متضاحكاً فتُغمِرنى فى بحرٍ من السعادة ..

هل أنت البحر الأزرق الذى يحدّثنى بكل الأسرار دون كلمة واحدة عندما يتنهّد؟ أم أنت محارته التى تتنفس فى الأذن ؟!

صوتك وزن القصيدة وإيقاع الأغنية  ورجع صدى الشريد ..صوتك وهمٌ وسراب مرتهن بالحقيقة ..وسادة قَمَر ..وقع الندى على عشبٍ أخضر ..أنت بصوتك كالمطر ..

خشن صوتك ..خشنٌ وعذب ..خشنٌ ورائق ..كل حرفٍ هكذا تنطقه ينثر شراعا فوقى ..آتٍ ومرتحلُ ..".

ظل يسرع الخطى أكثر حتى اختفى عن ناظريها ..يناديها ثانيةً ..تَتَتَبّع صوته الذى بدا مجسمّاً وسط عراقة وجمال ما تشاهد..تسير بين البطء والإسراع مأخوذةً بسحر المكان وسحر الصوت ..تتأمل الحلم الذى تسكن فيه ..هى وهو فى قصرٍ أثرىّ ..بيتِهما لبعض الوقت ..كانت خطواته واثقة ..لم يتعثّر ولم يتردد لحظة وهو ينتقل كالطير من باحة لأخرى ..مخلّفاً وراءه عطراً اجتَهَدت لتلملمَه أنفاساً تجتذبها بعمق..

وبدأت تتخيله هنا جالساً مع علية القوم من أشراف المحروسة وهنا مستمعاً إلى شكاوَى المظلومين أما هنا فالقطع الذهبية تهوِى على أرضية القصر رنّانةً فى الآذان تُعطَى للمحتاجين ..جَوارٍ تتضَاحكن قاذفات بعضهن بالورود والحرس يختلس النظر متظاهراً بالثبات والحزم..جلساتٌ فوق النمارق المشغولة بخيوط الذهب وأنغام الموسيقى تعلو فى البهو ورذاذ ماء الورد يملأ الهواء المحيط بهما ..

"أقْبِلى.." قاطعاً الصورة التى كانت ترسمها ..وصَلت إلى باحةٍ -برغم رونقها- إلّا أن وجودَه لازال أغلى ما فيها ..

لكم من المرات حَلُمَت بتلك اللحظة وصحَت من نومها قائلةً آآآمين ..كم هو رحيم أن يكون هناك "السماء"  لتظلك مع مَن تحب ..سلوى لمَن لا يجد سقفاً شرعياً يجمعه به ..
ولكن حدث وأصبحا بين عشيةٍ وضحاها فى قصر رحيب, وفى باحته الظليلة انكسر ضوء الشمس ليداعب إحدى الزوايا متلصصاً على الحبيبين من خلف ستار القدر ..امتدّت يده نحوها:

"تعالى اجلسى ..ألا تريدين تجربة هذا الكرسى؟!"

"بلى, أريد .." ,  قالت مبتسمة,مدّت يدها إلى يده فأقبض عليها فى حنان وأمسك بمرفقها حتى أجلسها ..كطفلةٍ تلهو فوق كرسى طائر فى الملاهى ..قدماها الصغيرتان ترتفعان عن الأرض ..تحركهما ذهاباً وإياباً ..وقف يتأملها وبصرُهُ متعلّق بها ..كلما نظر إليها تذكّر كم هو مغرَقٌ فيها ..ألم يقل ابن حزم أن أولى علامات الحب إدمان النظر؟ يبتسم مستسلماً وقد هدأت أنفاسه المتلاحقة من أثر خطوته السريعة ..تٌرى ماذا يعادل أن ترى حبيبتك أمامك كحوراء تقصر الطرف لك وحدك؟؟! أى قلبٍ يحتمل تلك السعادة؟! رغماً عنه سيطرت عليه فكرة احتضانها ثم تقبيلها! ولكن عقله يُملى عليه مالا يجب فعله أبداً ..ما أسوأ أن تكون على حق أيها العقل بهذا الشكل المستفز! 

شعرَت بصراعه الصامت الذى فضحتْه عينا الصَبّ..قَرَأت استجداءه لذراعيها كى تضمه ..انبعثت فيها النشوة بغرور الأنثى عندما تتقلّد الأمور بين حركة ونظرة ..ولكن ما فائدة ملكة على عرش قلبه فى مملكةٍ لا وجود لها ؟!

"تعال لنجلس على تلك الأريكة الخشبية سويًا ..هذا الكرسى لا يتسع لكلينا " قالت بصوتها الرقيق الخفيض ..تلقّى كلماتها بحبورٍ فجلسا تحت النافذة الخشبية الممتدة. التقط  يدها واحتضنها وتخللت أصابعه أصابعها ..إبهامه يداعب إبهامها ..منتشية بخشونة راحة يده المتعرّقة وتود لو تخدش راحتها !

خطوات الحارس وقبل أن يقولا أى كلمة كانت هى صاحبة الكلمة المسموعة فى القصر ..ليمحو بخفّيه الثقيلين كل أثرٍ لهما ..هكذا بالحارس المرتشى أيقظهما القدر مذكّراً أن القصر ليس لهما وأن الرشوة التى دفعوها قد انتهت صلاحيتها ..!

كسجّانٍ سادىّ تَقَدّمهما ليعيدهما ثانيةً إلى زنزانة الحياة بعد اقترافهما تهمة استغلال القصر للحلم غير المرخّص ..آدم وحواء خارج الجنة من جديد بخفّى "حُنين" و"الحَنين" , بين معيّةٍ كادت تذيبهما وبين مرآة عجزه الكبير ودمعةٍ رقراقة فى عينيها ..وضجيج البشر على أعتاب القصر, وشبح شيطان يتراقص فرحاً ساخراً..!

Friday, 2 May 2014

محاكاة



«كنتُ نائمًا أستغرق في حلمٍ عميق لا أذكره، سأتذكَّره حتمًا ما إن لامس رأسي الوسادة في آخر ليل اليوم، هكذا يحدث.. فتّحت عينيّ.. احتجتُ الآن إلى تشديد تاء «فتّحت»؛ لأنني شممتُ عطر النرجس.. أمسكَتْ هاتفها ببطء متعمّد، أرادت أن تكون بطيئة اليوم.. لا، بل كسول تكون أدق.. كسل أنثوي يتدلل على الأشياء.. قرأت شيئًا بشغف وابتسمَت..

قامت ولم تنفض كسلها بعدُ.. نثرت شعرها ثم تحسسته من جذوره حتى الأطراف.. ظلت تعبث بخصلاته.. لملمته ناحية اليسار وتركته ينسدل على كتفها.. نثر ذلك عطرها من جديد فتسلل إليَّ.. سارت حافية إلى المرآة الطويلة.. نظرت طويلاً فوجدت بقايا الكحل النحيل باهتًا في عينيها، خاصة عند الزاويتين.. «وجديلة ديل الكحيلة» همست روحي..

مسحت بأناملها بعض الدهن عن وجنتيها اللامعتين كأنما ترسم فراشة.. بلت شفتيها وانعكس ريقُها في المرآة فوقهما.. كنتُ أحتاج إلى مزيد من الضوء.. شرّعت النافذة الخشبية وألقت نظرة راضية على شجرة الفل الصغيرة ثم عادت إلى المرآة مرة أخرى.. وجدتها وقد سُكِب ضوء الشمس فوقها، واختلط لون شعرها بشعاعها وظهرَت عيناها كلَوزتين ذائبتين في عسل.. والبريق فوق شفتيها كملمّع شفاه شفّاف للمراهقات.

فتحت التلفاز.. وجدتهم يثرثرون.. فضغطت الزر الذي يحوّل التلفاز إلى راديو.. البرنامج الموسيقي يعزف شيئًا لـ«باخ»، على ما أعتقد.. راديو كايرو في ساعته الفرنسية.. ثم: «مَرق الصيف بمواعيده.. والهوى لملم عناقيده.. وما عرفنا خبر.. عنك يا قمر».. تنهدت طويلاً.. وتركَت الريموت.. وحمدتُ فترة فيروز الصباحية على إذاعة الأغاني.. وظل صوت البيانو القديم يتلاعب بأذني ويعزف فوق قلبي.. بدأت ترشف الكابتشينو وتخيلتني معها في شرفة حلبِية أهمس لها:
«أنتِ من حواء.. إنها كل النساء.. وأصل البقاء.. وأنتِ منها.. أنها أمي.. وأحبُّ أن تستيقظي قبلي.. مثلها خرجَت لتوها.. من ضلع آدم.. كل يوم.. وهو نائم».

«أراه من تحت الغطاء المخملي يتلصص عليَّ.. عيناه السوداوان كما هما.. أتذكر حيرتي في أول مرة رأيتهما.. هل هما بلون أبي الألوان.. الأسود، الذي يمتص الألوان كلها بداخله، مثل آدم؟ بالطبع كانت عيناه سوداوين.. هو مثله عَجُول أيضًا، لما نزلت الروح في عينيه ونظر إلى ثمار الجنة بدأ يتأملها، ولما وصلت الروح إلى جوفه اشتهى الطعام وأراد أن يثب ليأخذه ولم تكن الروح قد وصلت إلى رجليه..

أم تراهما بلون طفولتي، البني الداكن.. لون مريلتي ولون رابطة عنقي ولون جبل الطور ولون أغلب شَعري؟ كنت أتمنى وقتها أن أخلع عنك نظارتك الطبية.. ها هي أهدابك تتكثَّف في المنتصف.. سأجد هدبًا نافرًا إلى أعلى أكثر من الباقين.. سأحفظ جيدًا تلك الفترة التي تضطر أن تطرف فيها.. سأعرف كيف تدمع عيناك قبلها من طول النظر.. كيف تنقّل ناظريك بين عيني في اللحظة ذاتها.. جفناك يلمعان إذا أغمضت.. سأقترب منك ولا أدعك تفتحهما.. ستضطرب قليلاً ولن تفهم لماذا.. أقبّل الجفنين الأنورين بالتناوب قبلتين طويلتين.. وليذهب لحن عبد الوهاب إلى الجحيم وهو يقول: (بلاش تبوسني في عينيّ.. ده البوسة في العين تفرَّق).. والذي أبصره يجري أمامي في رأسك الجميل.. أهمس بين قبلتي: (بوّسلي عينيَّ وقِله إني ببوس عينيَّ).. قوسا حاجبيك الكثيفين.. العجيبين.. أريد أن أتحسسهما بإبهامي وأفرك زيتَهما بين أناملي.. وأدهن به حاجبي.. منبت شعرك.. يا رجلاً لا يشيب.. وأنفك مثل أنفي روماني.. هنا كنت أريد أن أطيل النظر يا عذيب المرشف! أرِني ذلك الشّق الذي شَقَّ روحي إلى نصفين في منتصف أسنانك.. يقولون عن صاحبه إنه يظفر برزق وفير.. أريد أن أمطرك برزق وفير من القبلات».

«تلك التي لا تثنى الطرف إلا قليلاً.. تلك التي لم تكن لتغمض عينيها وتطيل النظر إلى وجهي حتى يصيح قلبي: (لحظٌ رنا.. قوس رمى.. سهمًا أصاب مهجتي).. ما زلتُ أتحسس موضع سهمك.. علت دقاته.. جُلُّ ما تمنيت أن تنام راحتك فوق صدري.. أنعشي هذا القلب إن كنتِ تخشين عليه الركود والموت الحي والخيبة والحزن.. أغلقته عليكِ واحتجزتكِ في الداخل.. تيّمتني شامة داكنة أسفل رقبتك.. خشيتُ عليكِ من نفسي.. من وهجي»..
«أقدِّر تلك القفزة التي جعلتك تطلب صورتي دون مناسبة.. أعجبني أن تطلب مني صورة للعينين فقط مهما كلّفك ذلك مِن حجب جزء مهم من وجهي في صورة قد تكون الوحيدة التي أهبك إياها، كان من المفترض أن تصير مكتملة بملامحي.. أنت تصدّر لي الفكرة التي تستهويني ثم تقوم بتهذيبها وتخفف من حدتها.. هل أكذب وأقول إنه لم يُذِبني أن تذكر ذلك البيت من أغنيتي المفضلة: (لي حبيب حبه وسط الحشا.. إن يشا يمشي على «قلبي» مشى) وإن كان ذلك من باب المجاملة الرقيقة أو حتى من باب الهدية.. استحييتُ أن أصحّح لك (قلبي) بـ(خدي)، عندما تخيلت المشهد.. كان أيسر على عقلي أن تبقى (قلبي) وإن لم تكن أيسر على قلبي!

قلتَ لي: (اقرئيني).. كنت مثيرًا للقراءة.. مثيرًا للاكتشاف.. ماذا بداخل الصندوق الأسود؟ ما مُلابسَات كل هذا الحزن العميق المرئي والمسموع؟ أي الحبيبات؟ وأي الخيبات؟ وأي الخسارات فَعَل بك هذا؟ لستَ مفتضحَ الحزن.. بل مقاومتك إياه هي المفتضَحة.. تعبيرات وجهك بها كرٌّ وفرٌّ فلا يُفضيان إلى شيء.. كنت أهمس لنفسي: أنا امرأة غارقة في كآبتي، ما الذي يحملني على (خربشة) قشرتك الخارجية لأرى ما تحتها؟! متى سيظهر التنين الأحمر القابع تحت جلدتِك؟»..

«أستطيع أن أنهض الآن، أعد الإفطار على الطريقة التي أحبها في غيابها.. أفترش تلك المنشفة التي تنظّف بها وجهها بماء الورد كل ليلة وتنساها.. مثلي.. بقع كحل الإثمد الأصفهاني تلطّخ المنشفة الوردية.. أقبّل بقاياه قبل أن أضع أطباق فطوري فوقها.. يتصاعد ماء الورد المنسي إلى دواخلي ممتزجًا مع طعامي.. هكذا أُطعم منها دون أن تدري»..


Friday, 11 April 2014

أعباء الليل والنهار


في الجمال: «البنت الحلوة زي عتبة الجامع، لازم الكل يعدي عليها».. تهمس جدتي في أذني، ثم تبتسم: «كله بيخطي العتبة، بس المهم مين اللي ربنا هيتقبل صلاته». لا يأكلني الاحتياج يا جدة، يأكلني الجحود، تقتلني براءة ابتسامي أمام زعمهم بالحب، تلك الكلمات النديّة فوق جبين الضمير! بأية إرادة قاتلة نطقوا بها؟ أحلم كل ليلة بشق صدورهم، كيف كانت تخفي هذا الكم الهائل من «تار» الأكاذيب؟ يطفح أسودها في وجهي وأبكي!
في الندم: كل الشوارع التي كان لا بد أن نمشطها معًا أنا وهي، كل المحال والأسواق و«الهايبرات» التي لم نشترِ منها بمقدار جنيه واحد، تقفز أمامي دفعة واحدة كلما رأيت عصاها مرتكنة إلى جانب باب البيت وبجوارها كعبا السيليكون جاهزين لتضعهما داخل أي حذاء ترتدينه.
في الحنين: من فضلك لا تخبرني الآن لماذا عانقني الهواء في تلك اللحظة.. لماذا حمل رائحة قش الأرز المحترق التي أحبها، وتلك الضوضاء المتناغمة من أصوات السيارات الممتدة الملول والقصيرة الإيقاعية الراقصة في الزفة والأخرى التي تسب بلغة متعارَف عليها.. وبائع الجرائد المتجول ليلا ينادي: «أخبار.. أهرام...».. من فضلك لا تخبرني بسبب دموعي المنهمرة الآن، لا تخلع تلك الصورة من ذاكرتي وهو يتأهب للنوم، غطاؤه الأخضر فوق جسده الأخيلي ونصف ارتخاء جفنيه المسهّدين، وتلك الابتسامة الرائقة التي تودّع أعباء الليل والنهار في اتكالية طفولية ساحرة: «مَن سيطفئ النور؟»..
في الزواج: سألته ذات مرة: تراها كيف تكون ضمة العاشق؟ كنا نتأهب لركوب الحنطور، تناول يدي وأجلسني في المقعد، تشاغلت برائحة الفرس الكريهة وسددتُ أنفي فأحكم ساعديه حول ساقَي كأنما يدفئهما في بعضهما بيديه، أحاطني ووقع ظله فوقي وهو يصعد إلى جانبي، شعرتُ بشيء ما قد حدث، وجلستُ أفكّر طوال الليل في غرفتي: هل أصارحه بأنني زوجته الآن وقد وقع ظله فوقي؟
في العودة: إحدى أبرز علامات النضج العاطفي أن تشعر بحتمية تكرار التجربة، مهما زعمتَ أنك متفرد فيما تشعر؛ فهناك دائمًا أبطال آخرون يلعبون دورك وأدوارَ الآخرين، أنتِ بطلة قصته اليوم، وغدًا إحداهن بطلة قصته الجديدة، أو لعله يعود إلى باكورته في يومٍ من الأيام، العائدون من الموت يُبعثون في خلق جديد..
في الرحيل: الراحلون مشغولون بالوجهة الجديدة، يدفعون عربات حقائب السفر بإصرار وفرح، يعلو أزيز العجلات الصدئة وتوسلات الحمالين فوق صخب الذكريات البعيدة، تحلق الطائرة فتهجر الممشى المضاء، في لحظات تتحول عيون الراحلين الشرهة إلى طمأنينة جار مجاور ومقعد مريح بنافذة، يتصنعون النوم الهادئ ورؤوسهم تحتجز صخب الذكريات البعيدة ذاتها، تختفي الطائرة في غيمة كبيرة وفجر اليوم الثاني متربص مغرور كمن «سيقصل» الليل عن جسد الدنيا للأبد!
في الألفة: ستشعر بألفة تحركك تجاههم دون إبصار لأوجاعهم أو كشف تماثلهم معك، ندبات الروح المتشابهة تتجاذب فحسب، مثل ابتسامة اثنين في شارع ضيق يرتديان الزي نفسه مصادفة، كان الألم وحده السبب..
في الحزن: حزن "سيدة" بطلة "قتطرة الذى كفر" على حبيبها "أحمد" , حزني على حزنها وهي تقول: "ضهري زي اللي مسمر في المرتبة وإيدي ورجلي تقيلة، ولما قلت له عمر التمرجي قال إن السخونية راحت خلاص ادبحوا له فرخة ولا حمامة يتقوِّت بيها. رد عليَّ بصوت ضعيف: ده أبويا صارف عليَّ 250 قرش في شهرين.. مرقة الفول النابت كويسة.. ولما شدني من إيدي وقال: اقعدي جنبي يا سيدة ع الكنبة. وكانت إيده عرقانة وجلدها أصفر وعُقل صوابعها كبيرة.. مسك إيدي، اترعشت زي عادتي.. إيدي زي ما يكون واحد لمس نار وقال: انتي قرفانة مني يا سيدة؟ طول عمره كان يفهم اللي في سرى من غير ما أقوله، وساب إيدي، عملت زعلانة وحلفت ونكرت لكن ما كانش فيه فايدة.. مفيش فايدة.. مات خلاص..
ونزلت دموعها في حجرها"..    
في الحرف: كانت مؤامرة عشقية أن يبتدئ اسمه بـ«الكاف»، كلما ناديتُه التصق الحرف بلساني ولم يبرحه لباقي أحرف اسمه، ينظر إليَّ في ذهول: «نسيتِ اسمي؟»، أبادره: «صدقني، المشكلة أنك رجل (كافٍ) جدًّا.. هذا كل شيء»!

في الثورة: لا أذكر أنني رأيتُه في أي يوم طيلة السنوات العشر إلا مصليًا أو مغرقًا السيارات بمياه الخرطوم بِغِلٍّ وكأنه يغرق أصحابها الهانئين في فُرُشهم الدافئة شتاءً، أو يجلس على «دكة» داخلية أمام غرفته يشاهد مباريات الزمالك في الدوري، أو يتحدث بصوتٍ يطلبُ دائمًا أن يصير مصَدَّقا إذا وجَّه إليه أحد السكان لومًا أو تأنيبًا، وكلتا يديه تمسك بتلابيب أصغر أطفاله موسعًا إياه ضربًا طيلة الحديث الثقيل، روائح الأطعمة المنبعثة من غرفته أستطيع أن أميّزها من تكرارها: «البصارة» و«زقزوق وظريفة» و«المحشي»، خاصة في الليالي شديدة البرودة، في السنة الأخيرة طغت رائحة «المعسِّل» من داخل غرفته على كل شيء، تلاشى تدريجيًّا حتى صار غائبًا إلا من دخانه، بينما تقف امرأته في صلابة القَرن على كل شيء بدلاً منه.

Friday, 7 March 2014

فقيد ثقيف


«في جمُعة فاض نورُها مسافة عام، أشرقَت بملاءة (اللف والبيشة) وذلك قبل توافد المصلين.. دلفت إلى (العطارين) واشترت نوعًا جيدًا من البخور.. زاغت عيناها على قطع الذهب الزائفة المرصوصة فوق العربات الخشبية ومناديل (بأُويَة) وردية وزهرية وبدلة للرقص همّت بشرائها ولكن سرعان ما تراجعت عن الفكرة.. صعدت فوق السلم الخشبي العتيق وكعباها يضربان بغنج في الخُف الأسود اللامع.. يشكو الشيطان من رنة خلخالها بأجراسه في آذانه.. رفعت البيشة من فوق وجهها والعرق يصبُّ فوق وجنتيها الحمراوين نداه الدافئ.. تناولت يدُها البضة من المشربية البحريّة (قلة) من طمي أسوان، انساب الماء المثلج المُزهّر - طوعًا وكرهًا - في قناتها البيضاء بين نهديها.. أشعلت البابُور وراح فحيحُه يبخُ في بياضِها.. نثرت البخور الأسود فوق لوح الصاج الصدئ.. ظلت (عين العفريت) تتوهج فتنقبض وتنبسط مع النار وسط ذرات البخور.. صنعت (عروسة) من الورق ثم وخزتها بإبرة طويلة وهي تردد أسماء الحُسَّاد ثم قذفتها للنار وهي تحاول حرق مخاوفها للأبد.. تستعيذ من الجن ومن عينه التي لا تريد أن تُخمد.. ذلك الذي يؤرقها ويحرمها - حتى في الحلم - من رجلٍ طويل وسيمٍ حاول مداعبتها ذات مرة عند العَطفة القريبة.. قبضَت على الطاسة الساخنة بقطعة قماش وظلت تدور بها في أنحاء البيت مرددة (الرقية) حتى وصلت إلى سريرها فقالت: (يا رب.. أنا فَرشتي مش جنة.. وأنا مش حورية هربانة من رضوان.. بس قلبي بياضه دافي زي الشمس وأسود حتة فيه مسك)».
«فَسِّر يا بن سيرين».. قال «زكريا» لصاحبه «محمد» متنهدًا.
قال «محمد» ضاحكًا:
- ماذا أفسّر يا أخي؟ هذا ليس حلمًا.. لا يكفيك أن تشتغل بالكتابة بل تمارسها أيضًا في أحلامك.
- صدقني لا أدري لِمَ يتكرر هذا الحلم معي بكل تفاصيله.. تلك المرأة الحلم تغزو قلبي وعقلي، لا مُعادل لها بين بنات حواء.
- (غامزًا) ابحث عنها إذًا بينهن.. فيهن..
- (لائمًا) بحثتُ حتى شكاني قلبي.. و«أوشكَت قلوبُ ذوي القربى له أن تُنكِرا»..
- يا «زكريا».. حاشا أن أنكرك، ولكن انظر لنفسك.. رجل شارف على الأربعين يرفض الزواج رفضًا مبينًا.. تأكل عليه الكتابة وتشرب.. إلى متى هذا الهوس بمجرد ظل؟
- آه.. لا أحد يفهم.. من هوسي أن أحكي لك حال قلبي..
- إلى متى أيها المجذوب؟
- أتظنني قديسًا يا أحمق؟ لم يكفّ قلبي عن الخفقان عند رؤية «سِمّانة» إحداهن، أو شفتين مضرجتين بدماء القتلى.. أو صدر متكوّر حتى يفور التنّور بي، ولكن أبدًا لم يقُم طوفاني بعدُ! كنتُ إذا تغشّيتُ إحداهن أصبتُ منها كل شيء حتى إذا جلستُ بين رجليها ارتعدتُ وقمتُ عنها..
- (ضاحكًا) أحمق..
- (يُخرج مالاً من جيبه ويضعه فوق المنضدة الصغيرة) لا فائدة من حديثي معك.. سلام.
- انتظر يا مجذوب (راكضًا خلفه).
في اليوم التالي، استيقظ «زكريا» متعكر المزاج، أشعل سيجارته الأولى محدقًا في جدران حجرته العارية إلا من لوحة «دانييه» المقلّدة لـ«جوستاف كِلمت».. تلك النائمة المحتالة البهيّة.. تباطأ وهو يحاول جاهدًا أن يثني نفسه عن موعد الليلة. «تبًّا للسياسة ولفضائيات الثراء السريع».. قالها لنفسه؛ فبعد الانتهاء من الكتابة اليومية في مكتبه لا يستطيع أن يرى أحدًا، ويقتله الحنين إلى سريره كي يبكي نفسَه وحيدًا.
قاد سيارته بعد انتهائه من عمله اليومي وقد أشعل سيجارته متأملاً «حِس» الريس حفني - منشده المفضل - الذي لم تبرح أغنياته السيارة القديمة ثم الأحدث ثم الأخيرة منذ أكثر من 15 عامًا، في كل مرة يسمعه فيها يمتدح إقدامه وشجاعته في نفسه لأنه - وهو الصعيدي - قد تزوج من السكندرية «روح الفؤاد» مطربة أغنية الكورنيش «دِنجا.. دِنجا» مِصداقًا لحبها، يغني:
«أنا ليه أبدّل عسل بخَلْ؟
وأنا مأصّل أب وخالْ..
أصل الكريم عمره ما يبخلْ..
وأنا نفسي أفرح زي الناس».
يمرّ بباله حديث صديقه الصدوق بالأمس ويحاوره في ذهنه من جديد غاضبًا: «تتهمني بالجنون أيها الأحمق! وماذا لو أخبرتُك أنني لا أحب الكائنات الأنثوية المرتّبة؟ إنهن غبيّات.. أقول لك ذلك لأنني أحرص على مراقبتهن جيّدًا.. تترك الواحدة منهن منزلها في كامل أبّهتها وزينتها.. تحرص على استدارة حِجابها وإحكامه حول وجهها بشكل منتظم ومتساوٍ.. تبدو نظيفة جدًّا وأنيقة جدًّا وجميلة جدًّا، كي لا تعطيك فرصة للنقد، كي تدفعَك لتؤمن أن لا عيب فيها»..
تتهادى على الرصيف الموازي للشارع المليء بالنفايات بعد انتهاء مسيرة يوم الجمعة فتاة ترتدي جلبابًا منزليًّا فضفاضًا تمسك طرفه السفلي بإحدى يديها فيرتفع قليلاً ليكشف عن جزء من ساقها.. شعر «زكريا» بقلبه يرتفع مع طرف ثوبها إلى «ماروم» السماء الثالثة النورانية، طرحتها تتدلّى على الجانبين بغير إحكام.. تكاد تطير من فوق رأسها.. تمنى لو طارت إليه والتقطها ليتنفس عبيرها.. إضاءة الشارع الخافتة تعتمد على أعمدة نور نصف مضاءة تخفي جانبًا كبيرًا من وجهها.. لم يتبين ملامحها وشعر أن قُوَى عُليا قد رأفت به كي لا يُجنَّ لو أبصره..
لم يحاول «زكريا» تحليل الحالة التي انتابته، كل ما فعله أنه أوقف سيارته الفارهة وهبط منها ليسير خلف الفتاة، حاول أن يبطئ الخطى كي لا تلحظ اقترابه، دخلت إلى دكان صغير لبيع الألبان ثم طلبت جُبنًا و«زبادي»، اقتحمته رائحة اللبن التي يكرهها وشعر بالغثيان، خرجت الفتاة في مواجهة «زكريا» تمامًا وهو يضع يده على فمه متأهبًا للتقيؤ، شعرت باضطرابه فطلبت من البائع كرسيًّا له - وهي تمسك بذراعه - وكوبًا من الماء المثلج. يشير «زكريا» بيده محاولاً الابتعاد عن الرائحة، هرع البائع خلفه بالكرسي، أجلسته الفتاة وقد جذب نفسًا عميقًا ليدافع به الشعور المقيت، بدأ يشرب كوب الماء وقد شعر بارتياح وظل ينظر إليها على إيقاع حركات بلعومه، يدعو كي تبتسم هاتان الشفتان ليختطف من زاويتهما قطفتي ورد ومن رمانهما سلامَ عاشقين في قبلة طويلة، ومن شعرها المختبئ تحت الحجاب انفلاتًا على صدره ومن عودها الغض الطري الشهي ارتعاشة حب في ليلة قمرية..
- شكرًا جزيلاً لكِ.. شكرًا جزيلاً يا سيدتي. أرجوكم تقبلوا اعتذاري.
البائع: لا شكر على واجب يا بك.
الفتاة: ألف سلامة عليك يا بك.
أخرج «زكريا» من جيبه بعض المال ووضعه في جيب قميص البائع.. «لا لا شكرًا» البائع رافضًا، ثم يقبل داعيًا لـ«زكريا» بسعة الرزق.
- تفضلي يا سيدتي، سأوصلك إلى المنزل.
قالها بشهامة استغربها على نفسه؛ لأنه لم يفكر في معنى سيئ.
- لا شكرًا يا بك.. بيتي قريب..
- مستحيل، لا بد أن أطمئن عليكِ وقد كنتُ سببًا في تأخيرك.
مشيرًا إلى سيارته «تفضلي».. شاهدت الفتاة السيارة الفارهة، فكّرت أن ركوب مثل تلك السيارة قد يكون جزاء الإحسان، لِمَ لا والرجل يبدو كريمًا وطيب القلب؟ مشت على استحياء باتجاه السيارة وفي يدها الجبن والزبادي، فتح «زكريا» لها باب السيارة وأخذ يرقب حركات جسدها من تحت العباءة وهي تترجّل بداخلها، تعثرت قدمها اليسرى فانفلت خفها منها، طأطأ «زكريا» رأسه والتقطه وهو يقاوم رغبة جارفة في إلباسها إياه، شعرت الفتاة بالحرج وقالت:
- العفو يا بك.. لا يصح أبدًا.
صار وجهه، وهو منخفض الرأس، قريبًا منها، تسرَّبت رائحتها إليه، شعر أنه يشتمّ زهرة متعرِّقة بنداها، لامست يده قدمها واضعًا الخف في دواسة السيارة أمامها، لا أثر لشقوق في قدمها الصغيرة.. لا أثر لشقوق في روحها العَجماء الربانية كذلك.
جلس في كرسي القيادة مزهوًّا بحضورها، سألها: أين تسكنين؟ قالت: آخر هذا الشارع... ثم.. أقول لك؟ إلى آخره فقط لو سمحت..
- أنتِ تخشين أن يراكِ أحد معي.. أليس كذلك؟
- بلى.. اعذرني..
- لا عليكِ، هل تريدين أن نتجول بالسيارة قليلاً حول الحي؟
- .. سأتأخر..
- نصف ساعة فقط.. أرجوكِ.
- وهو كذلك..
- أشكرك من أعماقي.. ما اسمك؟
- «رقيّة» (بصوتٍ خفيض).
- إنها هي.. والله بعقدِ الهاء إنها هي (محدثًا روحه).. أنتِ جميلة جدًّا يا «رقية».. ماذا تشربين؟
- شكرًا، أنت تجبر بخاطري يا بك.. أي شيء على ذوقك.
- سأختار لكِ شيئًا يشبهك.. «كوكتيل» من الفاكهة كلها..
تبتسم وتتناول الكوب الكبير من يده.. يشاهدها وهي ترشف من الكوب بواسطة «الشاليموه» الطويل، تُحتجَز قطع المانجو الكبيرة عن الصعود إلى شفتيها، تصرّ على جذبها لأعلى، حتى تُصدر صوت الخواء الأخير، فتشعر بالإحراج.. «شكرا يا بك».
- هل يمكنني أن أطلب منك طلبًا يا «رقيّة»؟
ترد في ارتباك:
- تفضّل.
- هل تسمحين لي بتقبيل يدك؟
تُظهر «رقية» خجلاً واضحًا يصعّد من خديها حتى أذنيها، تلمع عيناها فتزيد «زكريا» هيامًا وشوقًا، ثم انعقد لسانها ولم ترد.. يقرّب «زكريا» يده من يدها اليسرى، يلامسها بأنامله كأنما يكتشف خلقًا جديدًا، يرفعها إلى شفتيه الداكنتين من أثر التدخين الشَّرِه، يشعر بمقاومة خائبة منها، فيتجاهلها ويتحسس جلدها بهما وتداعب شفتاه زغبَها الرفيع الأشقر، يطبع قبلاته الواحدة تلو الأخرى بخفة كَمَن يتلمّس طريقًا إلى الجنة، من أعلى أظافرها وحتى الرسغ، «رقية» صامتة صاخبة تحاول أن تلملم أجزاءها التي بعثرها تقبيل «زكريا»، لم يقبّل أحدهم يدها من قبلُ، يتناول يدها الأخرى فتمنعها عنه بإصرار، يسائلها بعينيه عن السبب فتشير إلى خاتم الزواج..
- أنتِ مخطوبة يا «رقية»؟
- «مكتوب كتابي» (بنبرة عميقة من الحزن).
شعر «زكريا» بوخزٍ في صدره، هبطت عبرة لم يقاومها ثم فاضت العين الأخرى بالدمع، ثم بدأ في تصديق الهاجس الذي يتلاعب برأسه أنه لم يصِبه عشق مفاجئ فحسب بل أصابه مسٌّ من روح «فقيد ثقيف»، ذلك العاشق الآبق من الأهل والصحبة وحبيبة لم يدرِ أنها زوجة أخيه!
  

Tuesday, 11 February 2014

وداع

 
 
 
أول إدراكى من الدنيا يا أبى , ساقا معلمتى الممتلئتان تسرى في باطنهما العروق الزرقاء البارزة من أعلى إلى أسفل, خفها الرمادى "الطبى" بحليةٍ معدنية جانبية, جوربها الشفاف الممتد حتى أطراف أصابعها, غطاء الرأس الأسود المطعّم بالخرز,نهداها الكبيران من تحت سترتها الصوفية الملتصقة بجذعها وساعة يدها ذات المينا السوداء وعقاربها الذهبية المتحركة وتخميناتى الدائمة لمعرفة الوقت ولم أكن قد تعلمّت قراءة الساعة بعد..
 
أكثر ما أحببت سنبلة شعر مدرسة اللغة الإنجليزية والخصلات الصفراء المصبوغة بعناية بين ثنيات شعرها الكستنائى, وعيناها الخضراوان وعطرها الفواح وأظافرها الطويلة المطلية..النجوم الذهبية والفضية والأخريات الملونة ودلالاتها : كلٌ يوافق ممتاز وجيد جدا وجيد .علامة "صح" الطويلة بخط يد الأستاذة كاميليا وارتكازها لثوانٍ فوق الورقة قبل إطلاقها , محاولاتى المضنية كى أقلدها بلا جدوى , سحر القلم الأحمر, ذلك القاضى الناضج المقدس والذى لا اعتراض على حكمه, وقار القلم الأحمر وإغراء الروج الأحمر والخوف من الدم الأحمر! زوج الأكمام كحلى اللون, أرتديهما فوق مريولى فى حصة النشاط ..قص ولصق..طبقى السماوى وأول درس تعلمت فيه الأكل بالشوكة والسكين.
 
ابن ناظر المدرسة الذى ابتليتُ به إلى جانبى لسنوات , كانت أدواته غالية ولديه مسطرة من الحديد يهبط بها مدرس الرياضيات فوق أيدينا فحفظنا جدول الضرب –خوفا- من كثرة الضرب, كان متلعثماً ولا يجيد القراءة أو الكتابة , ويوصينى الناظر به خيراً , كم كنتُ أمقته , أمقت أسنانه المدببة الصغيرة وهى تمضغ البيض وينهزم صفاره تحتها ..
 
اشتقت إليك يا أبى , إلى خشخشة مفاتيحك وأنت تفتح باب البيت, كنت أظن أن مفتاحك بمقدوره أن يفتح كل الأبواب , عدت الآن لتسألنى فقط؟ أنا أجيبك على أية حال , نعم يا أبى , تخيلتُ الله ورسمت له صوراً كثيرة من دون أن تدرى, جلستُ فى غرفتى ذات يوم أبكى طويلاً فوق إحدى الصور , كنتُ أشكو إليه غيابك , ودخلت أمى فكتمتُ نشيجى وتظاهرت بالنوم , تعرف أننى جيد بالتخفى .
 
أحلى طعام "الموز الأبيض" كان يشبه الفيلين فى الشكل والملمس , لا أكاد ألمسه حتى يتحطم سريعاً بين أصابعى , فأشعر بالزهو وأحسب نفسى قوياً, حتى ألتهمه فيذوب فى فمى فأخالنى أسعد طفل فى العالم .أطيب رائحة تخص أقراص الفايش الطويلة يمتلىء بها بيت جدتى يوم العيد , صعوبة كسره ثم قضمه , عيدان الخروب وحباته تداعب لسانى قبل لفظها, تورم شفتاى من كثرة تناول الترمس المُملح. لا أثر لتلك الأشياء الآن ولا لبيت جدتى.. لم أعد أعرف هل فقدت حاسة التذوق أم لم يعد هناك طعم لما آكل ؟ الصين هنا تغزو كل شىء يا أبى حتى بطوننا, إننا نخشى أكل اللحوم , لا ندرى ماهيتها , تبدّل سمار أطفالنا بصفرة الصين , تضاءلت كل مواردنا حتى إلى ما بعد رفع الحصار , تضاءل احساسى باللمس أيضاً , لم أعد أفرّق بين اللمسات الحانية والقاسية ..كلٌ بلا هوية على حدٍ سواء ..
 
ذات الوجوه الطاهرة تطاردُنى, وجه حبيبتى الأولى وهى تنظر إلى كاحلها عندما جُرح ثم عندما سمعتها تناقش الأستاذ فى تحدى , وجهُ راهبة دير مارجرجس المشرق عندما انزلق غطاء رأسها وظهر عارياً من الشعر ووجه الشيخ الشعراوى :لم يظهر بعد عالِم مثله يجتمع الناس حوله.. رجال الدين الآن يا أبى صاروا يختبئون منا, يهربون من أسئلتنا, من مطالبتنا بفتاوى تبيح السرقة والزنا وأحيانا القتل , وهل يحتاج الانسان الآن إلى تصريح بارتكاب كل تلك الشرور؟ كل شىء مباح للمتاجرة به فى هذا العالم. أُطلقت شائعات عديدة حول ظهور المسيخ الدجال , مثل نوبات صرع مفاجئة تنتابنا ,نرتاد المساجد ونتأهب للموت ونكثر مما بقى فى صدورنا من القرآن والدعاء فلا نجد مَسخاً ظهر ولا مسيحاً هبط . فى الهند تبدّل الأمر , تزايدت أعداد المسلمين بشكلٍ مفرط, هزمت فتاة عشرينية أعتى زعماء الهندوس هناك عندما اغتصبها أحدهم ثم أمر بقتلها يوم أدلت بشهادتها فى المحكمة, صارت تلك الفتاة رمز الثورة فى الهند.
 
 منذ عشرة أعوام, دمّر نيزك هائل الحجم نصف الولايات المتحدة, شعرنا بالخوف الشديد, وبدأنا نتهيأ لنهاية العالم ثم أصابنا جزع لا يمكن وصفه كلما استحضرنا هذا الحديث "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ", فخرجنا نحتفل فى الشوارع , ثم تعجبنا من أنفسنا : لماذا نفرح ؟ ثم لماذا نحزن إذن ؟ صدقنى يا أبى لم نعد قادرين على التمييز, لقد فعلنا نفس الشىء عندما أبادوا قرية شيعية بأكملها شمال البلاد .
 
يوم زفافى كنتَ غائباً يا أبى , شعرتُ أن سترتى قد قُضت من دبر وأن الناس يشاهدوننى من خلفى , حتى تلك الصفصافة بدت بخصلاتها الطويلة المتدلية مثل نساء طاعنات فى السن يتضاحكن على عريي بأسنانهن الخضراء, ما أن أغلقت باب الحجرة على وعلى زوجتى حتى أخذت أفتّش عن الشِق الطويل الذى يسرى في سترتى, لم أجده وحمدتُ الله على فضيحة لم تتم فى العلن وإن كان قد ملأ روحى صداها..سميتُ أكبر أولادى باسمك حتى تقرّ عيناً فى قبرك .
 
 أمس, رأيتُ حلماً عجيباً, كان جبريل يحتضننى , أجنحته سوداء كبيرة تحيط بجسدى النحيل, كنا فوق الماء أو السماء, ربما فوق شىء بدا كمقلوبٍ أرضى لشىء سماوى, بكيتُ طويلاً ,دموعى ظلت تملأ حولنا حتى أدرك الغرق كل شىء, ونحن نرتفع سوياً لا أدرى إن كنا نبتعد أم نقترب من الأعالى, ارتعدتُ عندما أصابتنى ريحٌ قوية, شعرت بريش جبريل ينتصب ويوخزنى , أبصرت نوراً لا يُدرك كله أبداً بنواظر, ثم سقطتُ إلى أسفل, لا أعرف أسفل ماذا ولكن صار هذا قرارى الأبدى !
 
 هل أتيت لأخذى معك؟ هل هكذا ينتهى كل شىء؟ هل لتلك الآلام دخل بما يحدث الآن ؟ العالم يصغُر يا أبى ويبدو أننى أنسلخ من قشرته لأخرج فى خلقٍ آخر, كل الأشياء تمتزج سوياً , الزمان يذوب فى المكان والحاضر والماضى والمستقبل يتداخلون فيما بينهم ,هل هذا عام 2000 أم عام 2050؟ أنا هنا شيخ أوُلد من رحم أمى لتوى, وهناك طفلٌ أشيب الرأس , وهؤلاء أولادى أبناءٌ لأطفالهم! هذى الأرض تموج بما عليها, زلزالٌ من تحتى , أريد أن أنهض , لا أستطيع يا أبى ..لا أستطيع !

Friday, 10 January 2014

غِطاس زيت الحَبّوبَة


استيقظَت فجراً كالمعتاد على أصوات الدِيَكة الطليقة حيث تسكن "دميانة" إحدى حارات"أشمغة", تخطو أحياناً عالية الرءوس أو تطأطِئُها  بحثاً عما تأكله فتتدلى أعرافهم الحمراء المبهجة فوق "نشارة" الخشب الملونة التى تفترش الأرض بعد عُرس سامية بنت مصريّة ويونس ليلة أمس وتغوص مخالبهم فى سَمكها وقد خطى أكبرهم  فوق حرفS  المرسوم بالنشارة فى مقابل قرينه E  على الأرض , نهضت نحو النافذة خارج حجرة النوم  تحاول أن تتجاهل الشعور بالبرد وهى تُحكم منديلها الشيفون فوق رأسها تراقب طيورها التى مازالت تصيح وقد غادرت الحظيرة الصغيرة تحت نافذتها مباشرةً , خرجت من الباب عبر درجات السلم الثلاث بفتات الخبز المبتلّة لتُطعمهم مثل كل صباح.

دلفت دميانة إلى المطبخ الصغير الذى يتسع لها بالكاد مع موقدها ماركة "المصانع الحربية" ولرف خشبى تضع فوقه التوابل و"نملية" من الخشب المتهالك, بها أوانيها التى خرجت بها من بيت أبيها إلى بيت زوجها , تحسست قطع القلقاس المقطعة فى الماء الساخن منذ أمس والتى صارت باردة كالثلج الآن, صارت ليّنة بعض الشىء ,تحتاج إلى وقت أطول فى الماء الساخن, فبدأت تغلى الماء فوق الموقد, ثم شرعت فى إعداد الإفطار قبل أن يصحو "بشاى" زوجها الفكهانى وأولادها صبحى وإبراهيم وشنودة .أما مريم ابنتها الكبرى فأخذت توقظها بتأنيبها اليومىّ على كسلها وتخاذلها مع أمها قائلةً " البتّ للعَفَن والواد للكفن " ..صحت مريم مُكدّرة بجفن ممتلىء نصف مرتخى مثل تمثال العذراء الصغير أمام سريرها , صامتة تغسل وجهها من أثر كحل الأمس فى عرس جارتها سامية وقد تقامست عائلتها فرحة قداس عيد الغطاس مع العرس , بكاء شنودة ذى العامين يؤرقها فتهرع إليه وتضمه وتجهز له طعامه .
يصحو بشاى على بكاء الطفل ويتوقف شخيره المنتظم ويقول كل سنة وانتم طيبين فتجرى مريم إلى احتضانه وتبتسم دميانة مرددةً "وانت طيب يا خوى" .

صار البيت الصغير صاخباً فى أقل من ساعة بين صياح الأولاد والديكة وبكاء شنودة وصوت التلفاز وإيلام دميانة لمريم وهى تفترش الأغطية والوسائد فوق عتبة النافذة , تتسوّل بعض الدفء الشحيح فى أيام طوبة الباردة. تنظر مريم لأعلى فتشعر بقرب الغيمات الرمادية وتستبشر خيراً بمطر وشيك فتطيع والدتها وتُدخِل الفرش مرة أخرى.
خرج صبحى وإبراهيم بصحبة الأب مرتدياً جلبابه الصوفى وبعِمته البيضاء , يلهوان من خلف كُمه الواسع الفضفاض ,يقبضان على نشارة الخشب الملونة ويقذفان بعضهما بها , يستمتعان بإفساد حرفى العروسين بالأقدام والأيدى ثم يتوقف بهما بشاى لشراء الحلوى فيأكلان شرائح البطاطس ثم يتسابقان فى التهام العلكة الطويلة وصنع بالونات منها .بقايا البطاطس تفسد العلكة فى فم الطفلين ولا تتمدد بين أسنانهما بينما يتلقى بشاى التهانى بعيد الغطاس من الجيران.

يعلو غناء دميانة وهى تقلب الثوم فى السمن مع عيدان الكسبرة الخضراء والسَّلق :
الفـرح غـالـي موش لكل الناس      جـوه مـدينـة وقفـولهـا نحـاس
الفـرح غـالي فـي صنـاديقـه        وايـش جَسَّـر الفـقري يمد ايده
       
ثم صاحت فى ابنتها : "ادهنى يا مريم ". جذبت الفتاة زجاجة "زيت الحبّوبة" وجلست على الأرض ثم بسطت شعرها الطويل وأخوها شنودة بين رجليها وبدأت تفرك الزيت بفروة رأسها وتفرده فوق خصلاتها الكستنائية , شاعرةً بلسعةٍ تؤلمها بعض الشىء , تسأل والدتها أن تغنى أغنيتها المفضلة فتنشد وقد فاحت رائحة الخضرة الغارقة فى الثوم المقلىّ :
شلبايـة البحر يـا بيضه عجبتينى           ارخـى دلالك على البحور عدينـى

نهضت مريم مزهوةً بلمعان شعرها فوقفت فى النافذة تبحث عن عيون شباب الجيران كى يشاهدوها ودميانة غارقة فى غنائها الجنوبى , دقائق قليلة ويبكى شنودة بحرقة , تهبط مريم لتتفقد أخيها فتجد زجاجة الزيت قد نقص منها ورائحته النفاذة تخرج من فم أخيها , تصرخ مناديةً على أمها , تنزعج دميانة وتحمل ابنها بين يديها , انعقد لسان مريم تخشى إخبارها بما حدث وسرعان ما تكتشف الأمر , تهرع دميانة به الى الخارج تصرخ ..يقابلها بشاى بوخزة فى قلبه عندما يجد ابنه بين يديها, يُغلق الباب على أبنائه الثلاث ويلتقط شنوده من بين يديها ويعبران بهما "مزلقان" القطار  ..

رفضت المستشفى العام استقبال شنودة وطلبت منهما الذهاب به إلى مركز السموم, عندما وصلا إلى هناك كان الطفل قد فقد وعيه, يشتدّ صراخ دميانة بينما زاغت عينا بشاى بين جموع البشر المنتظرة  فى الساحة الضيقة  , يسمع جمل متناثرة لا يستطيع التحقق منها وهو يزاحم بشنودة بين المرضى وذويهم: " إياكِ تقولى إنك حاولتِ تنتحرى " , تهمس أخرى " هى اللى عملت فيه كده, سم الفئران زى الفلفل الأسود"..ينادى بشاى :"ابنى بيموت .." يلتقطه طبيب ويعرف القصة بإيجاز بينما تجلس فتاة على سرير الفحص شاخصةً بجمود, يتم تجهيز الطفل للغسيل المعوى , يهمس الطبيب المقيم إلى زميلته : "سنقوم بغسيل معوى لها ..عشان تحرّم ".

 كُم بشاى العريض يداعب وجه شنودة , وتسقط دمعة دميانة على يده الصغيرة الباردة , يفتح شنودة عينيه بعد غسيل معدته على بكاء ضعيف فتزغرد دميانة وسط رائحة القىء وحوض حجرة الاستقبال الأبيض وزجاجات الكيماويات الداكنة, بينما يقبّل بشاى جبين شنودة ويلثم وشم الصليب الأزرق المدقوق فى معصمه .تنفلت ضحكة من طبيب امتياز قائلاً :" شِرِب زيت الحبّوبة؟!" ..