Saturday, 27 February 2016

الطريق -جزء من فصل -رواية الفيشاوي





يحسبون الطرقات خرساء، يحسبونها لا تحكي، رُبّ سُبُلٍ فاضت بأحاديث لم يروِها بشر، وكم من بوحٍ أُريق على قارعة الطريق. الأرض ترعاك أيها الإنسان، الأم السمراء تستمع إلى وجودك.
ليس هناك أبلغ من قصة حذاء صُنع على مهلٍ في ورشة إسكافيٍّ ماهر من توسكانا، يمسك الجلد بيد وقلبه بيد، كل تجعيدة في وجهه مَعلَم فلورنسي فريد، مقوّس الصدر في منتصفه، حفرت كعوب الأحذية فيه ممراً يتحسّسه بأنامله المصبوغة بالورنيش وهو يشاهد نهر "أرنو" عن بعد ويبتسم، جسوره القديمة ذكرياته. صار هذا الحذاء الآن في قدميّ هذا الشاب المصرى النحيل،ولا يعرف أنه اكتسب تجاعيد وجهِ صانعه، فلم يعد الزوج التوسكاني الجديد اللامع ذاته،انبرت حوافه واكتسبت استدارة من كثرة السير، وهبطت بطانته السوداء تحت قدميه وفي طريقها إلى التآكل. أوشك لُبّ النعل على التحرّر، فبرز كلسانِ طفلٍ حديث العهد بالكلام.تلك الألسُن تدريجياً تقصّ كل شيء، ألسن النعال المنهكة القديمة تخبر الطرقات بكل الحكايات.
على أرض المعهد، تدبّ نعال مصرية مغروزةٌ في أجسادها مساميرُ صدئة من طول الانتظار، تزاحمها أخرى بجلودٍ إنجليزية وبحياكةٍ ألمانية أو غُرَزٍ بولونية. كعب أرمنلي رفيع يفتك بقلوبٍ يسري نبضُها حتى مواطئ الأقدام، وآخر يوناني تميل لدبيبه الرقيق الآذانُ... عالمٌ ملوّنٌ غضّ الأحلام.
يُحدّثني النعل التوسكاني بحكاية طه، الطالب بالمعهد العالي الفني، يشكو إليّ قسوتَه عليه، فلم يكتفِ بالسير به ذهاباً وإياباً كلَّ يوم من عزبة بلال إلى المعهد بشارع شبرا، بل يواظب كذلك على المشي حتى أقرب محطة أتوبيس توصله إلى "المنيل"، هناك يقوم بالجلوس أكثر من ثلاث ساعات مرتين أسبوعياً فوق بساطٍ أحمر قانٍ بأليافٍ ناعمة، يشجّع الحذاء على النوم فينال قسطاً من الراحة فى منزل "الست لواحظ"، والدة لتلميذين في المرحلة الإعدادية يساعدهما طه على الاستذكار، وكان قد قام من قبل بعمل بعض ديكورات بصحبة د.عدلي في نفس البيت فطلبت السيدة ذلك منه فوافق لفوره.
يحتكّ حذاء الشاب النحيل بحذاءٍ ورديٍّ مرةً أسبوعياً بالقرب من مشتل يطلّ على ترعة الإسماعيلية، ذاك حذاء لبنى حبيبة طه، إذ يبثّها لواعج الهوى، ويبوح لها بأفراحه وأتراحه، يكرّر على مسامعها تلك العبارة فكثيراً ما تبكي: "لو أنني لم أمرض!"، وسرعان ما يحكي لها كيف يحقّق الطالب المصري النحيل تفوقاً ملحوظاً على أقرانه من المصريين والأجانب في المعهد، وكيف يتوقّع أساتذته له نجاحاً مبهراً، يقصّ عليها تهافت الفتيات عليه كي يرسمَهنّ بعدما رأينَ صورة "إيـﭬا الأرمنية مرسومةً في دفتر المحاضرات بقلم فحم، فتغضب ويصالحها بضمّةٍ طويلة وقبلةٍ على يدها.

ستة أشهر قضاها طه في هذا المعهد، يستذكر ويعمل ويحب ويرسم، ويواصل المسير، حتى وصل كعادته إلى بيت الست لواحظ، وقبل أن يصعد وجد الشرطة تحاصر المنزل ويتحدث الجيران عن ضبط بيت مشبوه بالداخل. لم أستطع إخبار طه بأنّ الست لواحظ، قبل دقائق فقط من وصوله، كانت تسير حافيةً فوقي بصحبة فتيات أخريات شبه عراة يبكين، تقودهن أحذية العساكر الثقيلة الخشنة. تجمّد الحذاء التوسكاني في مكانه، وبعد لحظاتٍ انصرف مع صاحبه ولم يعد مرةً أخرى. لم يكن يدري أين يذهب وكيف ستستمر حياته بعد انقطاع هذا الرزق عنه خاصةً بعد مرض د.عدلي وتوقفه عن العمل، يمسك دفتر المحاضرات بكلتا يديه، يحتضنه باكياً لا يسمع نشيجه سوى النيل والقمر وأنا.
لم يكن صاحب حذاء توسكانا من يبكي وحده، ملايين الخطى في صبيحة اليوم التالي كانت تبكي، جموع لم تشهد تلك الأرض مثلها من قبل، من جنوبها إلى شمالها، تماهت الطرقات مع بعضها البعض، كسرَت الخُطى المتهافتة كلّ الحدود في طريقها إلى وِجهةٍ واحدة،حتى ذلك الجسد الساكن الواقف على الطمي حافي القدمين أوقف دابّتَه التي تدور واحتضنها باكياً، كان قلبه يتوجّه نحو الوِجهة ذاتها: جثمان ناصر.
للطريق قلبٌ حجريٌّ أسود يكاد ينصهر حزناً على آدم وبنيه أبد الدهر، له قلبٌ لا يحتمل وداع الصحبة والأحبة، يراقب مِن خطوات أحدهم المتثاقلة كيف امتطته المحن والخطوب، ذلك لأن للمصائب أرجلٌ عديدة كالعناكب والخنافس، ولكنها هشّة تنكسر مفاصُلها بسهولة، وتفقد أطرافَها فتقع. هذا الأسفلت معجونٌ بجثثها المنقوصة وأطرافها المبتورة وتفوح من مسامه رائحة هزيمتها الكريهة.
مرّت ليالٍ لا تُنسى على صاحب حذاء توسكانا، تكرّر ذهابه إلى أرضٍ غير معتادة، بسياجٍ عالٍ حولها، حتى وجدتُ الحذاء المنهك في يومٍ ما يطير إلى أعلى فرحاً بصحبة حذاء من "باتا" يرتديه زكريا صديق طه. تبع هذا الحادث أيام يسعى فيها خفّان من البلاستيك من العزبة إلى أشمغة ترتديه نبيات، والدة طه، تسير مُسرعةً وكأنها تريد الإمساك بشيء قبل أن يختفي، ثم تعود بدبيبٍ زاحفٍ يجرّ خيبةً ما، إلى أن أتى ذِكر "زينهم معارك" وهرولت نبيّات في الخفّ الأسود إلى البيت ومعها مبلغ ٢۱ جنيه. صاحت في طه أنها حصلت على المصاريف المطلوبة، طار خُفّا نبيات إلى أعلى بقدميها المتشققتين إذ حملها ابنها محتضناً إياها ودار بها دورةً كاملة، أحاط إخوته بهما فرحين وبدأ يوسف في السير بخطوات منتظمة مثل الجنود والجميع يضحك.
أنتم تضحكون يا بني آدم ثم تبكون، سمْتُ حياتكم القطع بعد الوصال، والوصول بعد طول المسير، ولكن هذا الشاب يشعر بالضياع، الطريق يمكنه قراءة الحيرة من الخطوات. فبعد ساعات بين جلوسٍ ووقوف مع أصدقائه بالمعهد لمرةٍ أخيرة، يودعهم بأسى ويهديهم محاضراته المنقولة وبعض لوحاته ويهجر تلك الأرض الملونة إلى أرضٍ أخرى لم يرها بعد. يبحث طوال الوقت عن صاحبة الحذاء الورديّ، يرفع رأسه إلى أعلى فيجدها في انتظاره كعادتها خلف النافذة،فيقرر الصعود إلى شقتها. تفتح له الباب فتقرأ في عينيه الزرقاوين الرحيل. دفنت لبنى رأسها الصغير في صدر طه، احتضنها واستسلم لقداسة تلك اللحظة. يقول الطريق إن البقعة التي تضم حبيبين خُلقا من نفسٍ واحدة تشعّ نوراً يضيئه، مثلما أضاء الحب جوانحَهما. قال الطريق أيضاً إن الحبيب ليس بأعمى وإنما هو بصير. لا يمكن لأحد أن يفهم سر صمت والدة لبنى عندما شاهدتهما متوحدين في ضمّةٍ طويلة، ولا التكهّن بما سوف يحدث بعد دقائق إذا وصل أخوها ورآهما... اللحظة أسمى من كل خوفٍ وظنّ.
كيف ستبلّغ الحذاء الورديّ أيها التوسكاني أنك لن تذهب إلى أرضٍ بعيدة فحسب وأنك لن تُحرم من رؤيتها وحديثها فقط؟ كيف ستخبرها أنك ستركب طائرةً مع الدفعة الجديدة وتحلّق إلى السودان لتبدأ حياتك العسكرية هناك؟
كيف يودّع أبناؤك أيتها الأرض بعضهم بعضاً؟ كيف للأم أن تلد جنينها وتفطمَ رضيعها وتتركه يمضي وحيداً؟ كيف ستفعل ذلك نبيّات؟

Saturday, 31 January 2015

تفاح ساخن بالقرفة





سأخبرك بشيء ،أتساءل كل ليلة كيف يسع قلبى الصغير هذا العالم، كيف يتفقد وجوههم بشجاعة ملك موت، ويسامحهم بسرعة وصول الورثة ؟ وكيف أحلم ولا أتذكر الحلم فأعود إلى وسادتى فى الليل فأجده طازجا كما تركته فى الصباح؟  لماذا وأنا أتزين لك أشم رائحة "بانكيك" أمى الوردى ملقى بجوار أباجورة مضاءة قديمة الطراز مطعمة بالأحجار وثوب أحمر معلق على الحائط فى لوحة مصنوعة من البهرج الفضى؟  ولماذا ذكرتنى يداك بغرفة صنع أبى جدرانها من الخشب، وكل أحاديثنا عن غابات حزننا الكثيفة؟ ولماذا تقول بعينيك :لا تجلسى على مقعد أدفأته امرأة قبلك، اجلسى ها هنا على بكارة ثلج قديم  فى روحى سيذوب ويحملنا إلى مدينة ملاهى؟ ثم لماذا أجلستنى فى مواجهة العالم؟  وجعلتنى عالمك الذى تبصر؟ ولماذا التقطت علكتى الممضوغة حتى آخر ذرة سكر ولثمتها وهزمت مرارة فمى تحت أضراسك؟ لماذا أنت هكذا كعصير تفاح ساخن معبق بعيدان القرفة الملفوفة؟ وكالكراميل فوق شيكولاتة ساخنة؟ لماذا أحبك؟

Sunday, 21 December 2014

بغداد ..المَن والسلوى ..





(1)
      
لم  أكن أدرى أننى اليوم سأترك مقعد الراوى وأهبط إلى عمق الحكاية المكتوبة, فأعزفُ لحناً على "الجَوْزَة" العراقية وأحلّق بعيداً عن سماء مصر فأحطّ على أرضٍ وُلد التاريخ من رحِمِها, مخلّفةً كل تحذيرات الأحبّة والأصدقاء فى دفتر أمى الأزرق القديم, حيث أكتب بخط يدى كما شاء لها أن أكتب : " إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ", آية سورة القصص,التى أنزلها القاصّ الأعظم, فيشاء أن تكون "قصة" كتبتُها سبباً للسفر إلى "العراق" سرة الأرض ومركز الدنيا..
فى الطائرة ,التقيتُ بـ"وئام" , جارتى التى جلست إلى جانبى, من كلمتها الأولى لم أتبين سوى حرفين صحيحين على الأكثر : الألف والنون, فعرفتُ أمر جارتى الصغيرة وما تعانيه من صعوبةٍ فى السمع والكلام, بابتسامةٍ عريضة ساحرة يؤطرها حجابٌ وردى وبعينين هما  كل ما تملك من أدواتٍ للتعبير, فاضت "وئام" بجمالها وشجنها الداخلى وأشارت دون أن تشعر, إلى النبأ العظيم المختبىء فى بلاد الرافدين , تريد أن تحكى وتشكو وكأن لا وجود للسان واحد صحيح يمكنه شرح الجرح السارى بينهما ..!
نامت "وئام" وتركتنى للفضول والحُلم ,هبطت عبرة لم أستجدِها من عينٍ تراقب بلادى مبتعدةً تدريجياً من نافذة الطائرة البعيدة أيضاً, حائرة تريد أن تحط على كتف الحديقة البابلية الصغيرة النائمة إلى جانبى, يمرّ ببالى برج بابل وأحلام السلطة الكذوب التى لا تكتمل مثله أبداً, تأتى المضيفة لتضع فى حجرى ثلاث سمّاعات للأذن لى ولجارىّ النائمين,لماذا أنا يا "وئام" أعطيك هدية مزعجة كهذه؟ فوضعت سماعة كل منهما فوق مسند كرسيه, ثم أسقطتُ سماعة "وئام" عمداً بمرفقى, أحببتُ جريمتى الصغيرة تلك والتى أعادتنى إلى جرائم الصغر حيث لا مكان لسوء النوايا ,أحببتُ النوم جداً فى تلك اللحظة إلى الدرجة التى جعلتنى أريد الذهاب إليه لأحتضنه.
احتوت "بغداد" عجلات الطائرة ثم هبطنا جميعاً منها, وقبل دقائق رأيتُ من أعلى دلتا ,ذات طَفْلة صفراء بفعل نهر يخترق الصحراء,  فى حافلة المطار حدّثتنى "وئام" ببضع كلمات تريد بها التأكد أن هناك من ينتظرنى وأن بيتها البغدادى مفتوح, تأملتُ جيرانى الهادئين بصورةٍ أفضل,فرأيتُ أشياء يتفق فيها أغلبهم: أنوفهم القيصرية المتشابهة وشواربهم الكثيفة التى تملأ الحيز الواسع فيما بين الأنوف والأفواه, وعيونهم الحزينة المتأمّلة ...والصمت ..  آخر ما تركت لى جارتى منها يدُها البيضاء بخاتم ذهبى غاص فى كفى, وقبلة على خدى, وترقب حذِر لما هو مكتوب على أعتاب مدينة المنصور المستديرة :بغداد..!
استقبلنى هواء بغداد بترحاب يقارب جو الخريف المصرى, كريم وحانٍ ولكنه مشبّع بالظمأ , معتلّ بالشجن , هواء جريح يدور حول أرضٍ حزينة, كيف للأقدام القاسية أن تطأها؟ وألا تهدهدها وتترفّق بها؟ العيون البغدادية ترمق الفتاة المصرية الوحيدة والتى تبدو –برغم كل شىء- متحمسة, لا تتأفف من الانتظار فى طابور الجوازات, تتأمل عمال النظافة "البِنجال" يستلمون العمل فى جماعات, وضباط الميناء الجوى وقد أشبعتهم عيون الغرباء شكًّا وريبةً مازال بوسعهم أن يبتسموا, يلتقطها مبعوث وزارة الثقافة العراقية ويساعدها على إنهاء الإجراءات, وهنا على الحائط النحاسى الكبير المزخرف بكلمةٍ واحدة :"بابل" فُتحت بوابة مدينة الدنيا وبدأ طنبورٌ أكدىٌّ قديم يعزف على أوتار قلبى فى عناقٍ أوّل طويل بينى وبين "العراق" على صدر "بغداد", ثم التقيتُ برفيقة الرحلة "صباح الدبّى" الشاعرة المغربية الجميلة للمرة الأولى والتى تزور العراق للمرة الرابعة, وقد انتزعت منى الضحكة الأولى فى غمرة انتباه حواسى كلها حيث هتفت "صباح " فى مبعوث الوزارة: "أين هم داعش يا مصطفى؟".
فى السيارة, وفى الطريق إلى فندق المنصور, زاغت عيناى على كل شبرٍ نمرّ به,  استوقفنى تمثال "عباس بن فرناس" المجنّح, العالِم الفيزيائى العظيم الذى أنصفته بغداد بالذكرى, صاحب أول طائرة شراعية حلّقت به فى التاريخ ومات على سريره بعد اثنى عشر عاماً, الرجل الذى ظُلم فأُشيع عنه كونه الأحمق الذى طار من فوق جبل قرطبة وسقط ميتاً..ودعوتُ لبغداد, وللعراق كله ,دعوتُ له بالإنصاف الذى يمارسه مع المظلومين..
تفترش النخلات الباسقات الأرض, تصل أحلام بغداد بالسموات, وتقف مدرعات ودبابات الجيش العراقى على مداخل ومخارج الشوارع بكثافة للتفتيش, وبدأتُ أتحسس شعوراً حيًّا نابضاً فى جسد أهل المدينة , تدق طبول الأغنية الحماسية فى سيارتنا وتتداخل كلماتها مع تبادل التحايا بين السائقين والمارة والضباط والعساكر, "طَقّت ولْا مَا طقت احنا الموجودين ", تجوب السيارة شوارع بغداد الأصغر, تكسو البيوت آثار الشعور النابض ذاته فى ساكنيها , محال "حبّات فلافل " وعربات يهتم أصحابها بزخرفتها رغم بساطتها , البغدادى يزخرف الحزن بروح رسّامٍ عبّاسى ,كل شبرٍ فى بغداد يقاوم..يقاوم اليأس والخوف والترقب ..وكلابَ العدو المتربصة فى الشمال والعدو الأمريكى ذاته المتوارى خلف المنطقة الخضراء..
وصلنا إلى فندق المنصور بشارع الصالحية فى منطقة الكرخ, حيث استقبلنا وفد من وزارة الثقافة العراقية بترحابٍ بالغ, دار حوارٌ قصير بيننا , كل منا متلهّف لمعرفة أحوال الآخر فى بلده, كنتُ مأخوذة بالشكر والعرفان لقطرٍ شقيق يستضيفنا فى محنةٍ وضائقة, وكانوا مأخوذين بالاطمئان على مصر : كيف حال أم الدنيا؟ هنا فى بغداد لن تتمالك دموعك من فرط التأثر والكرم عندما يأتى ذكر مصر, من الصدق الجلىّ الذى يسكن كل حرف فى لهجتهم العربية التى تتخللها حروف أورية و آشورية, وسألوا : لم تخافى من المجىء؟ قلتُ لا والله, ولم أكن أدرى لماذا لا أخاف, الآن فقط علمتُ السبب..


(2)


أكرَم الخليفة أبو جعفر المنصور الضيفة المصرية ومنحها شرفةً بغدادية تطلُّ على "دجلة" الخير, تحاول أن ترسم صورةً بخيالها لقصره الدجلاوى : قصر "الخُلد", وترسلُ مرثيةً طويلة من عينيها إلى ذكراه, تبحثُ عن طللٍ واحد يشفى قلباً  كشراعٍ يجرفه فيضان النيل, ويدين مخضبتين بغرينٍ نبت فيه الشوق كله.. يتدفق ماء دجلة بين هدأة المانح وعجلته, كأنما يريد أن يفيض ولا يقدِر, يقسم بغداد إلى كرخ ورصافة, وليس له من شريكٍ فيها ولا حتى قرينه "الفرات" نهر سومر الثائر, المباغت فى فيضانه دون إنذار ومهد حضارة بلاد الرافدين..
إلى يمين شرفة المنصور, يلوّح "الرشيد" إلىّ بيده من الشارع الذى يحمل اسمه , حيث تبرقُ قبة مسجد "الحيدر خانة" الزرقاء بزخرفةٍ بهيّة مبهجة, وسط تكدس البيوت والمبانى المحيطة وزحام الأسواق, وبقايا آثار لبوابةٍ عريقة بأعمدةٍ, ولمدرسة لم تعد موجودة تحمل اسم ابنه الخليفة "المأمون", مؤسس بيت الحكمة أول جامعة فى الدنيا, بعد أن زاره "أرسطو" فى المنام وسأله: ما الحُسن؟ فقال له "أرسطو" : ما حَسُن فى العقل..
بعد راحةٍ قصيرة, بدأنا نستعد إلى الاقتراب من دجلة أكثر فى نزهةٍ على شاطئه.. أرجِع البصر كرتين إلى دجلة, فلن ترى فيه من عيبٍ, ينام على خديه سهولٌ خُضر وتعانقه من أعلى أشعة شمس "بغداد" : أيادٍ تلامس صفحته فتُحيل اللجين إلى تبرٍ.. ليت شعرى, كيف وصفوكَ؟
غابت الشمس, وراقبتُ من شرفة المنصور مضيفى أول ليل فى بغداد حيث  تتسلم  روح الإله "ننار" السومرى :إله القمر, مقاليدَ مدينة السلام, يضوى نهر دجلة بالأنوار المعلقة فوق جسر "الرشيد" والتى تشكل أهراما زرقاء متتابعة, بينما تتحوّل المدينة فجأة إلى عرسٍ كبير يزهو بأثواب الزفاف البيضاء وبطبولٍ ومزامير, فيعيش المرء فيها ليلةً واحدة بمقدار ألف ليلة مما يعدّون, فى كلٍّ منها تُزّف عروس  عشتارية إلى حبيبها "تموز".. خمس أعراس فى فندق المنصور وحده ليلة وصولنا إلى بغداد, تلك أيام جميلة تكثر فيها الأفراح, تسبق أياماً حزينة يحّرم فيها الزواج لمدة شهرين متتالين فى البلاد, إحياءً لذكرى عاشوراء واستشهاد الحسين رضى الله عنه..فلا تحسب نفسك غريباً إذا ما صادفتَ فرحة عرس, ستجد نفسك وسط الجمع ,سيحث رفاقك البغداديون الفرقة الموسيقية على عزف لحن مصري شعبي من أجلك, ليلقوا التحية بإعداد زفة خاصة لك , ستمسك  أم العروس بيدك وتراقصك , ستقبّلك وتحمّلك سلاماً إلى أهلك وتطلب منك تصويرها, , والمرأة ذاتها بعد عدة أسابيع ستسافر إلى "كربلاء" لتبكى أمام ضريح الحسين كأنه رضى الله عنه قُتل أمامها من جديد وتوزع الماء لتروى ظمأ حفيد النبى صل الله عليه وسلم, هكذا فالضدان بها مجتعان , شىءٌ لن يحدث سوى فى دار السلام..

فى شارع "أبو نواس" يصطف أهل بغداد يبثون "دجلة" الأفراحَ والأتراحَ واقفين على ضفته أو جالسين فى المقاهى والمطاعم والمراسى المطلّة, وصلنا إلى مَرسَى "الجادرية" العائم, وصعدنا إلى أعلى, هنا يقرّ الوَنَس, فينتشى مَن شَفّه الهم, ويتسامر الأصدقاء ويسكر الأحبة من اللقيا, وهنا  أنا فى قلب "دجلة" هو سامرى وحدى ولو فاض سمّاراً ... تصاعد تدريجياً من أسفل صوت "ﭬيولينه" مدللة الأوتار, فتقافزت قلوبنا فرحاً عندما وجدنا شاباً يحتضنها وكان يجربها فقط, فطلبنا منه ونحن فى الطابق العلوى للمرسى أن يعزف شيئاً وظلّ يعزف حتى رحلنا, صفّقت القلوب قبل الأيدى ثم غادرنا, وبدأنا نمارس شيئاً جديداً لأول مرّة سنحاول أن نعتاده فى بغداد: أن نخلّف قطعةً من قلوبنا فى كل أرضٍ نطأها ..
 أسندتُ رأسى فوق الوسادة, ومنها الفِكَر تتطاير شظاياً وردية على سيرة "أبى نواس", يُسلِمنى "الرشيد" إلى شعره, فأتخيّلنى حبيبته "جنان" يردّ علي فِكَراً بشعرٍ:

إذا التقى في النـوم طـيفـانـا  عاد لنا الوصلُ كـمـا كـانـا
يا قرة العـين فـيمـا بـالـنـا     نشقى ويلتذ خيالانـــــــــــــا

 (3)


استيقظتُ على صوتها ,تمدّه وتُقطّعه شدواً , هرعتُ حافيةً أرقُبها من خلف ستائر شرفة المنصور فأبصرتُ حمامةً رمادية من حمائم "بغداد", حطّت فوق السور ساكنةً, طويلة الرقبة, بيضاء الطَّوق, لها منقار ينحنى بلطفٍ, هل هى "زاجِلة"؟ وهل حملت جدّاتُها مراسلات الحكام والسلاطين فى الزمن القديم؟ أى الرسائل تحملين اليوم أيتها القُمرية؟ وممّن؟ أى رسولة محبة  حمّلوها سلاماً من الضفة الأخرى إليّ؟
على بعد خطواتٍ قليلة من ضفة "دجلة" صعَدَت نسائمٌ إلينا, تهزّ من أشجار التوت أوراقها,  تغمرُ صدورنا على مهلٍ فنتنفسها بعمقٍ ونزفرها ببطءٍ فى لذّة وكأنّها ريح الصَّبا, ثم دلفنا إلى قاربٍ مع الصحبة يقوده "حَيدر", أزيز المحرك يُشعل ماء النهر, ثم يخفت تدريجياً مع أصواتنا المتحمسة ,نصمت.. فنسمع لدجلة خريراً ونشتمّ له رائحة يعطفها عناق القارب الصغير, لمستُ بأناملى الماء وشعرت بأنهرٍ من المحبة والألفة باسم دجلة قد شُقّت فى قلبى, آنس بجزيرة خضراء القلب فصيحة اللسان ,تلتقط صوراً لى معه :الكاتبة البهية زينة بو رويسة من الجزائر..
وصلنا سريعاً إلى الضفة الأخرى وكان فى انتظارنا "المتنبى" رافعاً يده التى تمنح صكّ الشعر لأحفاده, ودواة حبرٍ تحت قدميه أُغمدت بها ريشته, تتنزّل عليهم هِبات ربة الشعر "أنخيدوانا" فى يوم الجمعة المبارك من كل أسبوع حيث يقدّمون قرابين الفن المقدسة ..عن يسار أبى الطيب, ساعة "القَشلة" العثمانية الباسقة وعن يمينه المركز الثقافى البغدادى وبين يديه العراقيون يتطيّبون بمسك الكلمة..
الشعر..يُلقى فى الساحة أمام تمثال "المتنبى", يبدعون فى حضرته وبحورُه تتقطّر فى آذاننا, بالونات وردية ترتفع إلى أعلى , تصافح أصوات الشعراء التى تحملها أوتار عود شجىّ.
اجتزنا بوابة المركز الثقافى البغدادى, وقفنا نتأمل الباحة الكبيرة حيث صور فوتوغرافية ضمن حملة توعية صحية أقامتها اليونيسيف, وحيث تُعرض الكتب النادرة لكبار الأدباء والشعراء, ثم بدأنا نتجول فى أروقة المكان الأثرى المكوّن من طابقين, شديد الشبه فى معماره ببيوت مصر الفاطمية, يضم عدداً كبيراً من القاعات التى يحمل كل منها اسم عالم أو أديب أو فنان, ففى قاعة "جواد سليم" قراءة لقصائد للأطفال على هامش أسبوع النزاهة الوطنى, وفى قاعة "مصطفى جواد" محاضرة حول رابطة الأنساب فى العراق والوطن العربى, أما فى قاعة "حسين على محفوظ" فدارت ندوة حول البحث العلمى ومعيار الجودة العالمى كمنهاج للتقدم, وعُرض فى قاعة "ألف ليلة وليلة" الفيلم الوثائقى "سبايكر", ثم أبهرتنا لوحات فنانى بغداد فى قاعة الفنون التشكيلية إذ جسّدت ملامح الشخصية العراقية بين الواقع والخيال ..
أصبوحتان شعريتان لرابطة شعراء المتنبى ومجموعة صناع الأدب أُقيمتا فى قاعة "نازك الملائكة", واستضافت قاعة "على الوردى" محاضرة عن المرأة والقانون, ثم سَمِعنا على عتبة قاعة "مسرح الشناشيل" صوتاً عذباً فيه حلاوة وفيه طلاوة, لم يكن هناك موطىء لقدم من شدة الزحام, ولكن فى دقائق معدودة أفسح لنا الشباب البغدادى أماكن للجلوس فإذا بفنانٍ عراقى أصيل هو"طه غريب" ينشد من شعر أبى فراس الحمدانى ويعيد على مسامعنا ما غناه ناظم الغزالى الخالد فقال :
أقولُ وقد ناحت بقربى حمامة:   أيا جارتا لو تشعرين بحالى؟ 
اغرورقت العيون بالدموع, واحتبست الأصوات فى حناجرها وفاضت القلوب وسكرت العقول و"طه" يحرّك مِسبحته ويشجينا   :
 أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا   تعالَى أقاسمك الهموم تعالَى.
صفّق الحضور على إيقاع الأغنية المتغيّر من الموال الحزين إلى المفرح ولكن لم يكف دمع ثلاثتنا عن الهطول :"صباح" و"زينة" وأنا, لا ندرى أى قوة فى العالم بإمكانها أن تظفر بدموع مغربية وجزائرية ومصرية فى ذات اللحظة على صدر بغداد, كيف يفيض القلب جمالاً وفرحاً وحزناً هكذا؟! برقت الأنوار وتوحّد غناء الجمهور مع "طه" ونبضٌ بى فوق نبضى يوشك أن يرتجّ له زجاج الشناشيل الملون!
 أعجِب بتلك الأرض وساكنيها , ففى حديقة "القشلة" يتضح حرص العامة على إلقاء الشعر الشعبى, وسوف تضم كل مظلة خشبية مجموعة من العازفين والمطربين يقدمون فنّهم لجمهورٍ مستمع متذوق ,فى تناغم بديع بين الفنان والمتلقّى, وبين الشاب والشيخ حيث تتوافق أذواقهما, أباريق النحاس الأصفر تزيّن حديقة القشلة وتقف ساعتها الكبيرة المطلة على "دجلة" فى ثباتٍ وعناد.
كما ينبّىء المتنبى من أخبار الأقدمين فإن الذى يعرفه القرطاس والقلم حق المعرفة يحتفظ بصناعة الورق إذ تضمّها ضفاف الأنهار على مر العصور , هنا سوق القراطيس حيث مستلزمات الطلاب فى المدارس والجامعات, والكتب المفروشة كبضاعةٍ رائجة فى الشارع العتيق..ثم وُلدت بهجةٌ غير متوقعة, كشجرٍ أثمر لتوّه فى الممشى فامتلأت أقفاصٌ برمانها ذى القشرة الصفراء على جانبي الطريق, يُعد منه العصير المفضّل لدى العراقيين فى أوانه من كل عام..

 خطوات قليلة وتواجهنا لافتة : "مقهى الشّابندر-مقهى الشهداء-الحاج محمد الخشّالى", نحتسى الشاى العراقى مسكوباً فى أكواب صغيرة حتى الحواف مع سكّر زائد غير مذاب, نرشفه جالسين فى مقاعد متراصة جنباً إلى جنب, نتأمل صور لزعماء وأدباء وفنانين تغطى جدران المقهى الشهير إلا قليلاً, أبرزها صورة فوتوغرافية لسيدة فى زى شعبى منتصبة تمسك بعصا طويلة يغوص نصفها فى الماء وزوجها جالس يضم طفلهما فى قارب الصيد الصغير, هنا يلتقى أعلام الثقافة والسياسة والفن منذ عام 1917 , حيث كان المقهى جذوة للمقاومة على مرّ العصور فخرجت منه مظاهرات فى أثناء الاحتلال الإنجليزى, واكتوى بنار الإرهاب فدُمّر 70% منه عام 2007, وفقد صاحبه محمد الخشالى أربعا من أبنائه وحفيداً من جرّاء الحادث الأليم..
وكعادة الأشقاء هنا فى دار السلام, عندما يأتى ذكر مصر تخرِج الصدور ما يجيش فيها من عشقٍ لها فحمّلنى أديبٌ من "آربيل" سلاماً لها ولأهلها..
حمل قاربٌ آخر أجسادنا إلى الضفة الأخرى من النهر, وعيوننا معلقة  على المتنبى : النسخة الأحدث من أسواق عكاظ وذى مجنة وذى المجاز , أما قلوبنا فمرهونة بالعودة إلى هناك, ثانيةً أجد حمامة جديدة على سور شرفة المنصور تنوحُ فأقول لها:
 أيا جارتا لو تشعرين بحالى؟


(4)

كنتُ قد قرأت اسمها قبل عدة أيام وذلك منذ اليوم الأول لى فى ضيافة المنصور, ولم أكن قد رأيتُها بعد, أما الآن فأنا أقف عند بوابتها, أنتظر للحظات قبل أن أعبر إلى الداخل, أريد أن أجمع شتات روحى الممزّقة على عتبتها: "قرطبة".. هكذا أسموا القاعة التى ستتغير فيها حياتى للأبد , السلامُ عليكِ يا درةَ الأندلس, كأنك تشرقين من خلف جبل "العروس", تحوك أصابُعك على عود "زرياب" الموصلىّ وتراً جديداً فيضرب لحناً سماوياً يتّكىء على الوجيعة, موالاً طويلاً بمقدار ليلةِ قدرٍ فى جامع قرطبة فقيدت شموع الثريّات كلها, وأضاء منبر صُنع من أبنوس وبَقس وعود المِجمَر, وأُخرِج مصحفٌ يحمله رجلان خطّه "عثمان" رضى الله عنه بيمينه ودمه قاطرٌ فوقه.
أحمل قلبى التَّواق وأجلس, تبرق الأنوار فى عيني الدامعة , أساءل قرطبة على أرض "بغداد" : مَن الذى شيّد التاريخ ؟ ومَن الذى طمسه ومحاه؟  تمتد يدٌ كريمة لتهدينى العدد الأخير من مجلة "ثقافتنا", وكعادتى أفتح بشكلٍ عشوائى لتستقر قرعة القدر على صورة  "غلامٍ ضاوٍ نحيل, كأنه قصبة, رُكب رأسه المستدير كأنه حبة الحنظل, على عنقٍ دقيقة تميل إلى الطول وعلى جانبى الرأس أذنان كبيرتان, وتحت الجبهة المستعرضة التى تنزل فى تحدّب متدرج أنف كبير يصرفك عن تأمله أو تأمل العينين الصغيرتين العاديتين على جانبيه فمٌ واسع", هو فم بدر شاكر السيّاب الشاعر الـﭼـيگورى العظيم كما وصفه "إحسان عباس", برز اليوم من بين الصفحات ليحتفى برائدةٍ زاحمته شعراً , تُنثَر على ذكراها الكلماتُ الوردية وتُقام من أجلها اليوم احتفالية تسليم جوائز المسابقة التى تحمل اسمها المتفرّد, إنها نازك الملائكة رائدة الشعر الحر..
تتعانق الأكف ونتبادل التحايا مع شقيقات العروبة هنا وهناك الفائزات بجائزة نازك الملائكة فى الشعر والقصة والنقد الأدبى,تربت على كتفى عن يمينى ياسَمينة فينيقية حملتها إلينا روح الشعر من ميناء طرطوس, ليندا إبراهيم شاعرة سوريا المتألقة..وعن يسارى القاصة "زينة بورويسة" ضاحكةً مستبشرة من الجزائر, و"صباح الدبى" شاعرة المغرب تطل علينا بثوبٍ أخضر يطير بنا إلى هناك, ومن لبنان جاءت الشاعرة "نور حيدر" تحمل شُجَيْرتين من الأرز فى عينيها وجنيناً حملته –لم يولد بعد-خشينا عليه طيلة الرحلة, أما العيون العراقية الحنون فقد أحاطت بنا وأسرتنا كرماً ,القاصة المستشارة إيمان المرعبى والأساتذة الأكاديميين د.فاطمة بدر ود.نادية سعدون د.ماجدة هاتو هاشم والتى أهدتنى كتابها فقرأت إهداءًا لم أقرأ مثله من قبل :
"ابنتى ﭬيان , علّى أدانى بعضاً من تفوقك الأسطورى.
ولدى مصطفى , أهكذا كل ولد, أم لم يلد قبلى أحد؟"

"ن والقلم وما يسطرون ", "نون النسوة" يا سيّاب , و"نون" نزحت من الموصل,.. وكل "نون"..

وننتظر..

وتُنادَى أوطاننا وأسماؤنا فننهض نتسلّم هدايا "نازك", لحظات.. كالتى يذوب فيها سكر الشاى البغدادى الداكن فتحلو الحياة, ويتعطر هواء "قرطبة" بعطور الفرح, ستختفى الحدود وتمتزج الضحكات وتتشابك تماثيل "نازك" المتشابهة فى أيدينا..

وانتظرناها ..زائراً لم يجىء..!

"وما كنتُ أعلم أنّك أقوى من الحاضرين
وأنّ مئات من الزائرين
يضيعون فى لحظة من حنين
يمدّ ويجزرُ شوقاً إلى زائر لم يجىء..!"


(5)

أشعر ببرودةٍ شديدة تجتاح جسدى من تحت الأغطية البيضاء, الرعد يهز شرفة المنصور بقوة , ظَلّ البرقُ يجىء ويذهبُ, ولا شىء أفكّر فيه سوى رعدة" المأمون" الأخيرة :
"البَرد ..البَرد.. يا مَن لا يزول ملكه ارحَم مَن زال ملكه..يا من لا يموت ارحم مَن يموت"..
يومٌ أخير , أمرّ فيه على كل شىء هنا فى "بغداد", سحر "دجلة"  ونوح الحمامات وحكايات "الرشيد" وصخب "أبى نواس " وروعة "المتنبى" ..طعومات وروائح تُصنَع بتأنٍ وعلى مهلٍ, السمك "المسگوف" ينضج على لهبٍ لا يمسُّه, مصلوب على الصبر الذى لا ينفد من قلوب العراقيين التى أنضجها الزمان, الأيدى المُحبّة التى تطعمُنا , تناولنا "خبز اللحم" معجوناً بالحنين مختمراً على مقامات فقدٍ طويل..يرددون تلك الكلمات البسيطة الحاسمة على ألسنتهم : "گلّش" و"ماگو" ,  يقضمون فاقتهم , تأبى نفوسهم الرقيقة ذبح الحمائم فلا يأكلونها أبداً, منتصبو القامات مثل نخيل"التبرزَل" أخضر الجذع بشوك كثيف يطرح رطباً بلون الكهرمان, لحمه ليّن لا ينكمش نحو اللب ,نادر الألياف غير لاذع الحلاوة, ينضج أيضاً ببطء..
مخاضٌ وراء مخاض لا يفارق هذا البلد , ولكنه يؤتى ثماره فى  كلّ حين..
"مو حِزِن..لكن حَزِين"..
فى آخر الرحلة, دعانى "المنصور" إلى شارعٍ يحمل اسمَه لأتذوق الحلوى العراقية, فأبصرتُه عبر زجاج الـﭬـاترينة مغموراً فى الطحين الأبيض, واسمُه منسوخٌ بوضوح :" مَنّ السَّما"..وأحياناً يلقبونه بـ"المَن والسَلوى", امتدت يد الحلوانى إلىّ بقطعةٍ منه ملفوفةً فى الطحين وتذوقتُ لأول مرة الحلوى العجيبة ذات الاسم الأعجب, ذلك الطَلّ السماوى الذى يهبط كالثلج على شجرٍ أو حجرٍ, يشتد بياضه أكثر من اللبن, يحلو وينعقد عسلاً ويجف جفاف الصمغ..
"قل لى يا حلو منين الله جابك؟"
صف لى شعورك وأنت تتذوق قطعة من السماء أو ندفة من السحاب..
شردتُ وأنا ألوك القطعة المحشوة بالفستق, أتأمل المصادفات التى وضعنى أمامها "المنصور" : المَنُّ للمَمْرور, والسلوى لمن لا يجد ما يُسلّيه ويذهب همه وحَزَنه..كيف ذابت الآلام على تلك الأرض وحلّقت الأمانى إلى جَنائِن الإمكان فى سمائها؟
غزَل أحفاد "عشتروت" سنابلاً من الفرح فى قلبى, وهم ينزفون..! الأعين نضّاخة والوجيعة فضّاحة واليد التى تُطعِم لا تُطعَم ..
حصارٌ للبطون وللعقول وللأحلام لم ينتهِ بعد, أبداً لم يفلح مع الرجل العراقى الذى لا يستسلم, ولا مع المرأة صانعة المعجزات, انكسرت مطامعُ الطغاة والغزاة على أهلّة الإبتسام فوق وجوههم, يتشبثون بنبوءات التاريخ ويوقنون من النصر المحقّق..ولكن إلى متى يا عرب تسرى الجراحات فى جسد دجلة والفرات؟
نَم مطمئناً يا الـمأمون , أثق فى بيتِ الحكمة الذى تبنيه الهوية العراقية من جديد, إنى لأشم ريحَ اليُسر يأتى من خلف العقول المستنيرة والقلوب النابضة بعشق الوطن ..
"دثرونى ..دثرونى "..
 إن  الرسالة السويّة التى وُلدت غريبةً فى "مكة" برعدة محمد صل الله عليه وسلم فى قلب غار حراء تسكنُ قلوبَ حامليها حتى مماتهم,  تضم أجنحةُ الروح القدس "جبريل" أفئدتهم مجدداً مع سطور القرآن المنزّل..تفتح ذراعيها بكل تسامح لقلوبٍ مأهولة بالحب أياً كان اعتقادها..
القلوب العراقية الجُمّارية تذوب فى عشق الوطن الواحد..تدثّر محمَّداً وتسقى الحُسَيْن..ينشدون جميعاً :
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي
هـــــلْ أراكْ فـي عُـــلاكْ
تبـلُـغُ السِّمَـاك تبـلـغُ السِّـمَاك
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي
الشبابُ لنْ يكِلَّ هَمُّهُ أنْ تستَقِـلَّ أو يَبيدْ
نَستقي منَ الـرَّدَى ولنْ نكونَ للعِــدَى
كالعَـبـيـــــدْ كالعَـبـيـــــدْ
لا نُريــــــدْ لا نُريــــــدْ
مَــوطِــنــي مَــوطِــنِــي
الحُسَامُ واليَـرَاعُ لا الكـلامُ والنزاعُ
مَــوطِــنِــي مَــوطِــنِــي

أدفع حنينى إليها مع حقائب السفر ولم أفارقها بعد, أتفقّد الوجوه كآخر صلاة, أتنفّس بعمقٍ لا يطاوعنى فيه صدرى المتخم بالتنهيد, أصعد بخطواتٍ ثقيلة كالرمال, وبفمٍ لم يُنجز قُبْلتَه بعد, أجلس ثانيةً فى مقعد الطائرة العائدة إلى بلادى, أبصر مدينة المنصور من أعلى كمرآة صقيلةٍ للروح لا تصدأ, أدرك كم أنا مغرقة فيها, أضع راحتى على قلبى وقد وشمتُ اسمها أبداً فيه : بغداد مَنّى وسلواى..







Friday, 24 October 2014

غادة العبسى تفوز بجائزة نازك الملائكة للإبداع النسوى -2014 عن قصة "مانوليا"







دعت وزارة الثقافة العراقية، الكاتبة المصرية غادة العبسي؛ لحضور حفل توزيع جائزة "نازك الملائكة" للإبداع الأدبي النسوي في دورتها السابعة لعام 2014، بعدم حصلت قصتها "مانوليا" على المركز الثالث في مجال الإبداع القصصي.
يقام حفل توزيع الجوائز، السبت المقبل، بفندق المنصور بالعاصمة العراقية بغداد، بحضور لفيف من السفراء العرب والأدباء ورجال الثقافة والإعلام من مختلف الدول العربية.

وقد حصلت القاصة العراقية إيمان راضي عبد الحسين على المركز الأول عن قصتها "أرض حمراء" وجاءت القاصة زينة بو رويسة من الجزائر في المركز الثاني عن قصتها "أوقفوا المزاد!"، أما المركز الثالث فكان من نصيب القاصة المصرية غادة محمد العبسي عن قصتها "مانوليا".
وقد أقام التليفزيون العراقي الرسمي لقاءً مفتوحًا مع جميع الفائزات بالمسابقة، كما اهتمت قنوات عديدة بنقل فعاليات الاحتفال وتسليم الجوائز.
وحصلت على المركز الأول في مجال الشعر، الشاعرة اللبنانية نور حيدر عن قصيدتها "مجهولة العنوان"، وحلت في المركز الثاني الشاعرة ليندا إبراهيم عن قصيدتها "سيرة العاشقين"، وجاءت الشاعرة المغربية صباح الدبي في المركز الثالث عن قصيدتها "هل كان حزنا؟".
يذكر أن غادة، المصرية الوحيدة التي فازت بالجائزة لهذه الدورة، كما حصلت على المركز الأولى في المسابقة المركزية الأدبية بهيئة قصور الثقافة المصرية عن مجموعتها القصصية الثانية "أولاد الحور"، ولها مجموعة أولى منشورة تحت عنوان "حشيشة الملاك"، وتعكف حاليًا على الانتهاء من روايتها الأولى.

http://www.elwatannews.com/news/details/580289      :  رابط القصة الفائزة -جريدة الوطن

بريد إلكترونى :dr.ghadamohammed@gmail.com    

Friday, 4 July 2014

خُفَّا حُنيْن




وصلا متأخّرّين  وكان ميعاد الزيارة قد انتهى, امتعضَتْ فلم يحتمل خيبة الأمل التى اعتلت وجهها ,رشى الحارس ودخل من البوابة, سبقها إلى الداخل وكأنه يدعوها لدخول قصره الكبير! مشت على استحياء محاولةً أن تتأمل الجدران والشرفات والرخام الذى يصطدم بكعبها العالى فيصدر صوتاً يخيفها ..لم يكُف عن مناداتها ..مستمتعاً برنين صوته وهو يصدح باسمها بين أركان الفراغ الواسع .. أتُراه يترك حروف اسمها عند كل جدارٍ ليألفَها ويرحب بقدومها,أم ليسجّل ملكيتها له؟! أمّا هى فحُرية النطق به وعذوبة سماعه من ثغره والقصر ثالثهما شىءٌ يصعب عليها تصديقه فى تلك اللحظة..!

قالت فى نفسها "ماذا عساى أن أفعل فى الصوت الذى يسكننى الآن ؟ الصوت الذى ترتج له أعماقى ؟ صوتٌ لا فكاك منه ..صوت مقتحم  لم يَطرق باباً أبدا من قبل  , تشّرع له الأبواب ذاتياً ليدخل قلبى ..متآمر صوتك مع أبواب قلبى .."يعملوا مؤامرة علىّ ؟" ...نعم فتحت كل شىء ..غزوت دمى وزرعت نبتتك فى كيانى .. "ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص" يقول الغزّالى ..وَجْد! هذا هو تماما..سواء كنتَ هامساً  فى أذنى برقة فأخشع بروحى تحت وطأة الهمس وجبروت الهمس وروعة الهمس الرجولى  ,أو متحدثاً بعدم اكتراث بكلمات تحسبها تمر مرور الكرام على قلبى !, متظاهراً بالشدة فألين  , مستسلماً لدلالى فأغترّ, محاوراً بجدية فأصمت , ضاحكاً متضاحكاً فتُغمِرنى فى بحرٍ من السعادة ..

هل أنت البحر الأزرق الذى يحدّثنى بكل الأسرار دون كلمة واحدة عندما يتنهّد؟ أم أنت محارته التى تتنفس فى الأذن ؟!

صوتك وزن القصيدة وإيقاع الأغنية  ورجع صدى الشريد ..صوتك وهمٌ وسراب مرتهن بالحقيقة ..وسادة قَمَر ..وقع الندى على عشبٍ أخضر ..أنت بصوتك كالمطر ..

خشن صوتك ..خشنٌ وعذب ..خشنٌ ورائق ..كل حرفٍ هكذا تنطقه ينثر شراعا فوقى ..آتٍ ومرتحلُ ..".

ظل يسرع الخطى أكثر حتى اختفى عن ناظريها ..يناديها ثانيةً ..تَتَتَبّع صوته الذى بدا مجسمّاً وسط عراقة وجمال ما تشاهد..تسير بين البطء والإسراع مأخوذةً بسحر المكان وسحر الصوت ..تتأمل الحلم الذى تسكن فيه ..هى وهو فى قصرٍ أثرىّ ..بيتِهما لبعض الوقت ..كانت خطواته واثقة ..لم يتعثّر ولم يتردد لحظة وهو ينتقل كالطير من باحة لأخرى ..مخلّفاً وراءه عطراً اجتَهَدت لتلملمَه أنفاساً تجتذبها بعمق..

وبدأت تتخيله هنا جالساً مع علية القوم من أشراف المحروسة وهنا مستمعاً إلى شكاوَى المظلومين أما هنا فالقطع الذهبية تهوِى على أرضية القصر رنّانةً فى الآذان تُعطَى للمحتاجين ..جَوارٍ تتضَاحكن قاذفات بعضهن بالورود والحرس يختلس النظر متظاهراً بالثبات والحزم..جلساتٌ فوق النمارق المشغولة بخيوط الذهب وأنغام الموسيقى تعلو فى البهو ورذاذ ماء الورد يملأ الهواء المحيط بهما ..

"أقْبِلى.." قاطعاً الصورة التى كانت ترسمها ..وصَلت إلى باحةٍ -برغم رونقها- إلّا أن وجودَه لازال أغلى ما فيها ..

لكم من المرات حَلُمَت بتلك اللحظة وصحَت من نومها قائلةً آآآمين ..كم هو رحيم أن يكون هناك "السماء"  لتظلك مع مَن تحب ..سلوى لمَن لا يجد سقفاً شرعياً يجمعه به ..
ولكن حدث وأصبحا بين عشيةٍ وضحاها فى قصر رحيب, وفى باحته الظليلة انكسر ضوء الشمس ليداعب إحدى الزوايا متلصصاً على الحبيبين من خلف ستار القدر ..امتدّت يده نحوها:

"تعالى اجلسى ..ألا تريدين تجربة هذا الكرسى؟!"

"بلى, أريد .." ,  قالت مبتسمة,مدّت يدها إلى يده فأقبض عليها فى حنان وأمسك بمرفقها حتى أجلسها ..كطفلةٍ تلهو فوق كرسى طائر فى الملاهى ..قدماها الصغيرتان ترتفعان عن الأرض ..تحركهما ذهاباً وإياباً ..وقف يتأملها وبصرُهُ متعلّق بها ..كلما نظر إليها تذكّر كم هو مغرَقٌ فيها ..ألم يقل ابن حزم أن أولى علامات الحب إدمان النظر؟ يبتسم مستسلماً وقد هدأت أنفاسه المتلاحقة من أثر خطوته السريعة ..تٌرى ماذا يعادل أن ترى حبيبتك أمامك كحوراء تقصر الطرف لك وحدك؟؟! أى قلبٍ يحتمل تلك السعادة؟! رغماً عنه سيطرت عليه فكرة احتضانها ثم تقبيلها! ولكن عقله يُملى عليه مالا يجب فعله أبداً ..ما أسوأ أن تكون على حق أيها العقل بهذا الشكل المستفز! 

شعرَت بصراعه الصامت الذى فضحتْه عينا الصَبّ..قَرَأت استجداءه لذراعيها كى تضمه ..انبعثت فيها النشوة بغرور الأنثى عندما تتقلّد الأمور بين حركة ونظرة ..ولكن ما فائدة ملكة على عرش قلبه فى مملكةٍ لا وجود لها ؟!

"تعال لنجلس على تلك الأريكة الخشبية سويًا ..هذا الكرسى لا يتسع لكلينا " قالت بصوتها الرقيق الخفيض ..تلقّى كلماتها بحبورٍ فجلسا تحت النافذة الخشبية الممتدة. التقط  يدها واحتضنها وتخللت أصابعه أصابعها ..إبهامه يداعب إبهامها ..منتشية بخشونة راحة يده المتعرّقة وتود لو تخدش راحتها !

خطوات الحارس وقبل أن يقولا أى كلمة كانت هى صاحبة الكلمة المسموعة فى القصر ..ليمحو بخفّيه الثقيلين كل أثرٍ لهما ..هكذا بالحارس المرتشى أيقظهما القدر مذكّراً أن القصر ليس لهما وأن الرشوة التى دفعوها قد انتهت صلاحيتها ..!

كسجّانٍ سادىّ تَقَدّمهما ليعيدهما ثانيةً إلى زنزانة الحياة بعد اقترافهما تهمة استغلال القصر للحلم غير المرخّص ..آدم وحواء خارج الجنة من جديد بخفّى "حُنين" و"الحَنين" , بين معيّةٍ كادت تذيبهما وبين مرآة عجزه الكبير ودمعةٍ رقراقة فى عينيها ..وضجيج البشر على أعتاب القصر, وشبح شيطان يتراقص فرحاً ساخراً..!

Friday, 2 May 2014

محاكاة



«كنتُ نائمًا أستغرق في حلمٍ عميق لا أذكره، سأتذكَّره حتمًا ما إن لامس رأسي الوسادة في آخر ليل اليوم، هكذا يحدث.. فتّحت عينيّ.. احتجتُ الآن إلى تشديد تاء «فتّحت»؛ لأنني شممتُ عطر النرجس.. أمسكَتْ هاتفها ببطء متعمّد، أرادت أن تكون بطيئة اليوم.. لا، بل كسول تكون أدق.. كسل أنثوي يتدلل على الأشياء.. قرأت شيئًا بشغف وابتسمَت..

قامت ولم تنفض كسلها بعدُ.. نثرت شعرها ثم تحسسته من جذوره حتى الأطراف.. ظلت تعبث بخصلاته.. لملمته ناحية اليسار وتركته ينسدل على كتفها.. نثر ذلك عطرها من جديد فتسلل إليَّ.. سارت حافية إلى المرآة الطويلة.. نظرت طويلاً فوجدت بقايا الكحل النحيل باهتًا في عينيها، خاصة عند الزاويتين.. «وجديلة ديل الكحيلة» همست روحي..

مسحت بأناملها بعض الدهن عن وجنتيها اللامعتين كأنما ترسم فراشة.. بلت شفتيها وانعكس ريقُها في المرآة فوقهما.. كنتُ أحتاج إلى مزيد من الضوء.. شرّعت النافذة الخشبية وألقت نظرة راضية على شجرة الفل الصغيرة ثم عادت إلى المرآة مرة أخرى.. وجدتها وقد سُكِب ضوء الشمس فوقها، واختلط لون شعرها بشعاعها وظهرَت عيناها كلَوزتين ذائبتين في عسل.. والبريق فوق شفتيها كملمّع شفاه شفّاف للمراهقات.

فتحت التلفاز.. وجدتهم يثرثرون.. فضغطت الزر الذي يحوّل التلفاز إلى راديو.. البرنامج الموسيقي يعزف شيئًا لـ«باخ»، على ما أعتقد.. راديو كايرو في ساعته الفرنسية.. ثم: «مَرق الصيف بمواعيده.. والهوى لملم عناقيده.. وما عرفنا خبر.. عنك يا قمر».. تنهدت طويلاً.. وتركَت الريموت.. وحمدتُ فترة فيروز الصباحية على إذاعة الأغاني.. وظل صوت البيانو القديم يتلاعب بأذني ويعزف فوق قلبي.. بدأت ترشف الكابتشينو وتخيلتني معها في شرفة حلبِية أهمس لها:
«أنتِ من حواء.. إنها كل النساء.. وأصل البقاء.. وأنتِ منها.. أنها أمي.. وأحبُّ أن تستيقظي قبلي.. مثلها خرجَت لتوها.. من ضلع آدم.. كل يوم.. وهو نائم».

«أراه من تحت الغطاء المخملي يتلصص عليَّ.. عيناه السوداوان كما هما.. أتذكر حيرتي في أول مرة رأيتهما.. هل هما بلون أبي الألوان.. الأسود، الذي يمتص الألوان كلها بداخله، مثل آدم؟ بالطبع كانت عيناه سوداوين.. هو مثله عَجُول أيضًا، لما نزلت الروح في عينيه ونظر إلى ثمار الجنة بدأ يتأملها، ولما وصلت الروح إلى جوفه اشتهى الطعام وأراد أن يثب ليأخذه ولم تكن الروح قد وصلت إلى رجليه..

أم تراهما بلون طفولتي، البني الداكن.. لون مريلتي ولون رابطة عنقي ولون جبل الطور ولون أغلب شَعري؟ كنت أتمنى وقتها أن أخلع عنك نظارتك الطبية.. ها هي أهدابك تتكثَّف في المنتصف.. سأجد هدبًا نافرًا إلى أعلى أكثر من الباقين.. سأحفظ جيدًا تلك الفترة التي تضطر أن تطرف فيها.. سأعرف كيف تدمع عيناك قبلها من طول النظر.. كيف تنقّل ناظريك بين عيني في اللحظة ذاتها.. جفناك يلمعان إذا أغمضت.. سأقترب منك ولا أدعك تفتحهما.. ستضطرب قليلاً ولن تفهم لماذا.. أقبّل الجفنين الأنورين بالتناوب قبلتين طويلتين.. وليذهب لحن عبد الوهاب إلى الجحيم وهو يقول: (بلاش تبوسني في عينيّ.. ده البوسة في العين تفرَّق).. والذي أبصره يجري أمامي في رأسك الجميل.. أهمس بين قبلتي: (بوّسلي عينيَّ وقِله إني ببوس عينيَّ).. قوسا حاجبيك الكثيفين.. العجيبين.. أريد أن أتحسسهما بإبهامي وأفرك زيتَهما بين أناملي.. وأدهن به حاجبي.. منبت شعرك.. يا رجلاً لا يشيب.. وأنفك مثل أنفي روماني.. هنا كنت أريد أن أطيل النظر يا عذيب المرشف! أرِني ذلك الشّق الذي شَقَّ روحي إلى نصفين في منتصف أسنانك.. يقولون عن صاحبه إنه يظفر برزق وفير.. أريد أن أمطرك برزق وفير من القبلات».

«تلك التي لا تثنى الطرف إلا قليلاً.. تلك التي لم تكن لتغمض عينيها وتطيل النظر إلى وجهي حتى يصيح قلبي: (لحظٌ رنا.. قوس رمى.. سهمًا أصاب مهجتي).. ما زلتُ أتحسس موضع سهمك.. علت دقاته.. جُلُّ ما تمنيت أن تنام راحتك فوق صدري.. أنعشي هذا القلب إن كنتِ تخشين عليه الركود والموت الحي والخيبة والحزن.. أغلقته عليكِ واحتجزتكِ في الداخل.. تيّمتني شامة داكنة أسفل رقبتك.. خشيتُ عليكِ من نفسي.. من وهجي»..
«أقدِّر تلك القفزة التي جعلتك تطلب صورتي دون مناسبة.. أعجبني أن تطلب مني صورة للعينين فقط مهما كلّفك ذلك مِن حجب جزء مهم من وجهي في صورة قد تكون الوحيدة التي أهبك إياها، كان من المفترض أن تصير مكتملة بملامحي.. أنت تصدّر لي الفكرة التي تستهويني ثم تقوم بتهذيبها وتخفف من حدتها.. هل أكذب وأقول إنه لم يُذِبني أن تذكر ذلك البيت من أغنيتي المفضلة: (لي حبيب حبه وسط الحشا.. إن يشا يمشي على «قلبي» مشى) وإن كان ذلك من باب المجاملة الرقيقة أو حتى من باب الهدية.. استحييتُ أن أصحّح لك (قلبي) بـ(خدي)، عندما تخيلت المشهد.. كان أيسر على عقلي أن تبقى (قلبي) وإن لم تكن أيسر على قلبي!

قلتَ لي: (اقرئيني).. كنت مثيرًا للقراءة.. مثيرًا للاكتشاف.. ماذا بداخل الصندوق الأسود؟ ما مُلابسَات كل هذا الحزن العميق المرئي والمسموع؟ أي الحبيبات؟ وأي الخيبات؟ وأي الخسارات فَعَل بك هذا؟ لستَ مفتضحَ الحزن.. بل مقاومتك إياه هي المفتضَحة.. تعبيرات وجهك بها كرٌّ وفرٌّ فلا يُفضيان إلى شيء.. كنت أهمس لنفسي: أنا امرأة غارقة في كآبتي، ما الذي يحملني على (خربشة) قشرتك الخارجية لأرى ما تحتها؟! متى سيظهر التنين الأحمر القابع تحت جلدتِك؟»..

«أستطيع أن أنهض الآن، أعد الإفطار على الطريقة التي أحبها في غيابها.. أفترش تلك المنشفة التي تنظّف بها وجهها بماء الورد كل ليلة وتنساها.. مثلي.. بقع كحل الإثمد الأصفهاني تلطّخ المنشفة الوردية.. أقبّل بقاياه قبل أن أضع أطباق فطوري فوقها.. يتصاعد ماء الورد المنسي إلى دواخلي ممتزجًا مع طعامي.. هكذا أُطعم منها دون أن تدري»..


Friday, 11 April 2014

أعباء الليل والنهار


في الجمال: «البنت الحلوة زي عتبة الجامع، لازم الكل يعدي عليها».. تهمس جدتي في أذني، ثم تبتسم: «كله بيخطي العتبة، بس المهم مين اللي ربنا هيتقبل صلاته». لا يأكلني الاحتياج يا جدة، يأكلني الجحود، تقتلني براءة ابتسامي أمام زعمهم بالحب، تلك الكلمات النديّة فوق جبين الضمير! بأية إرادة قاتلة نطقوا بها؟ أحلم كل ليلة بشق صدورهم، كيف كانت تخفي هذا الكم الهائل من «تار» الأكاذيب؟ يطفح أسودها في وجهي وأبكي!
في الندم: كل الشوارع التي كان لا بد أن نمشطها معًا أنا وهي، كل المحال والأسواق و«الهايبرات» التي لم نشترِ منها بمقدار جنيه واحد، تقفز أمامي دفعة واحدة كلما رأيت عصاها مرتكنة إلى جانب باب البيت وبجوارها كعبا السيليكون جاهزين لتضعهما داخل أي حذاء ترتدينه.
في الحنين: من فضلك لا تخبرني الآن لماذا عانقني الهواء في تلك اللحظة.. لماذا حمل رائحة قش الأرز المحترق التي أحبها، وتلك الضوضاء المتناغمة من أصوات السيارات الممتدة الملول والقصيرة الإيقاعية الراقصة في الزفة والأخرى التي تسب بلغة متعارَف عليها.. وبائع الجرائد المتجول ليلا ينادي: «أخبار.. أهرام...».. من فضلك لا تخبرني بسبب دموعي المنهمرة الآن، لا تخلع تلك الصورة من ذاكرتي وهو يتأهب للنوم، غطاؤه الأخضر فوق جسده الأخيلي ونصف ارتخاء جفنيه المسهّدين، وتلك الابتسامة الرائقة التي تودّع أعباء الليل والنهار في اتكالية طفولية ساحرة: «مَن سيطفئ النور؟»..
في الزواج: سألته ذات مرة: تراها كيف تكون ضمة العاشق؟ كنا نتأهب لركوب الحنطور، تناول يدي وأجلسني في المقعد، تشاغلت برائحة الفرس الكريهة وسددتُ أنفي فأحكم ساعديه حول ساقَي كأنما يدفئهما في بعضهما بيديه، أحاطني ووقع ظله فوقي وهو يصعد إلى جانبي، شعرتُ بشيء ما قد حدث، وجلستُ أفكّر طوال الليل في غرفتي: هل أصارحه بأنني زوجته الآن وقد وقع ظله فوقي؟
في العودة: إحدى أبرز علامات النضج العاطفي أن تشعر بحتمية تكرار التجربة، مهما زعمتَ أنك متفرد فيما تشعر؛ فهناك دائمًا أبطال آخرون يلعبون دورك وأدوارَ الآخرين، أنتِ بطلة قصته اليوم، وغدًا إحداهن بطلة قصته الجديدة، أو لعله يعود إلى باكورته في يومٍ من الأيام، العائدون من الموت يُبعثون في خلق جديد..
في الرحيل: الراحلون مشغولون بالوجهة الجديدة، يدفعون عربات حقائب السفر بإصرار وفرح، يعلو أزيز العجلات الصدئة وتوسلات الحمالين فوق صخب الذكريات البعيدة، تحلق الطائرة فتهجر الممشى المضاء، في لحظات تتحول عيون الراحلين الشرهة إلى طمأنينة جار مجاور ومقعد مريح بنافذة، يتصنعون النوم الهادئ ورؤوسهم تحتجز صخب الذكريات البعيدة ذاتها، تختفي الطائرة في غيمة كبيرة وفجر اليوم الثاني متربص مغرور كمن «سيقصل» الليل عن جسد الدنيا للأبد!
في الألفة: ستشعر بألفة تحركك تجاههم دون إبصار لأوجاعهم أو كشف تماثلهم معك، ندبات الروح المتشابهة تتجاذب فحسب، مثل ابتسامة اثنين في شارع ضيق يرتديان الزي نفسه مصادفة، كان الألم وحده السبب..
في الحزن: حزن "سيدة" بطلة "قتطرة الذى كفر" على حبيبها "أحمد" , حزني على حزنها وهي تقول: "ضهري زي اللي مسمر في المرتبة وإيدي ورجلي تقيلة، ولما قلت له عمر التمرجي قال إن السخونية راحت خلاص ادبحوا له فرخة ولا حمامة يتقوِّت بيها. رد عليَّ بصوت ضعيف: ده أبويا صارف عليَّ 250 قرش في شهرين.. مرقة الفول النابت كويسة.. ولما شدني من إيدي وقال: اقعدي جنبي يا سيدة ع الكنبة. وكانت إيده عرقانة وجلدها أصفر وعُقل صوابعها كبيرة.. مسك إيدي، اترعشت زي عادتي.. إيدي زي ما يكون واحد لمس نار وقال: انتي قرفانة مني يا سيدة؟ طول عمره كان يفهم اللي في سرى من غير ما أقوله، وساب إيدي، عملت زعلانة وحلفت ونكرت لكن ما كانش فيه فايدة.. مفيش فايدة.. مات خلاص..
ونزلت دموعها في حجرها"..    
في الحرف: كانت مؤامرة عشقية أن يبتدئ اسمه بـ«الكاف»، كلما ناديتُه التصق الحرف بلساني ولم يبرحه لباقي أحرف اسمه، ينظر إليَّ في ذهول: «نسيتِ اسمي؟»، أبادره: «صدقني، المشكلة أنك رجل (كافٍ) جدًّا.. هذا كل شيء»!

في الثورة: لا أذكر أنني رأيتُه في أي يوم طيلة السنوات العشر إلا مصليًا أو مغرقًا السيارات بمياه الخرطوم بِغِلٍّ وكأنه يغرق أصحابها الهانئين في فُرُشهم الدافئة شتاءً، أو يجلس على «دكة» داخلية أمام غرفته يشاهد مباريات الزمالك في الدوري، أو يتحدث بصوتٍ يطلبُ دائمًا أن يصير مصَدَّقا إذا وجَّه إليه أحد السكان لومًا أو تأنيبًا، وكلتا يديه تمسك بتلابيب أصغر أطفاله موسعًا إياه ضربًا طيلة الحديث الثقيل، روائح الأطعمة المنبعثة من غرفته أستطيع أن أميّزها من تكرارها: «البصارة» و«زقزوق وظريفة» و«المحشي»، خاصة في الليالي شديدة البرودة، في السنة الأخيرة طغت رائحة «المعسِّل» من داخل غرفته على كل شيء، تلاشى تدريجيًّا حتى صار غائبًا إلا من دخانه، بينما تقف امرأته في صلابة القَرن على كل شيء بدلاً منه.