Tuesday, 31 January 2017

أصنام وأجراس

لكلِّ كتابٍ قرأتُه تبعات، لا أقول الكتب فحسب، الأغنيات والمقطوعات الموسيقية أيضاً، مواء القطط على وتيرة غير (مياو مياو) المألوفة، إذ تنادي باسم النبي (داود) عندما يناديها الحب، وإذا تأوّهت أثناء الولادة العسيرة بآهات عجيبة، تختلط فيها  الآلام بالشكوى بقلة الحيلة وربما بالندم. تشكيلات السحب التي تجعلني أنظر إلى أعلى وسط المارة المنشغلين بالنظر تحت أقدامهم..البشر من حولي، تحديقي في وجوههم وتصديق الرؤى التي أراها لهم ومعهم..كان لكلِّ حرفٍ ولمحةٍ وطيف وهمسة وآهة مئة سؤال يرن في أعماقي، ترسم الأسئلة وإجاباتها الناقصة طريق حياتي، فأسير دون إدراك حتى تتكشّف الحقائق على مهلٍ، أحسب أنني فهمتُ ما حدث لي ولكن أبداً لا يُفضي فهمي إلا لحيرةٍ أكبر تأخذني للغز جديد..
التقطتُ هذا الكتاب لأول مرة بحرصٍ شديد، خشية أن يتفسّخ بين أصابعي، أتعامل مع الكتب القديمة بإجلالٍ واحترام، كأنني أمام جدي أو جدتي، الكنز المتنقّل من الحكايات والأسرار ، والتي لا يعرفها سوى الأجداد، أو كالعملات التي لا رواج لها ولا يعرف أحد قيمتها، قطعة "أنتيك" موضوعة بقلة اهتمام بعيداً عن الأنظار ..خبايا الكتب القديمة، بسنواتها العديدة المنهكة وبصمات أصابع مئات القّراء، حملت دموعهم ولحظات شديدة الخصوصية من البوح. ألصقتُ الغلاف ببقية الكتاب والذي بدا متماسكاً مع ذلك ، أقرأ العنوان في تعجّب وانبهار، أنا التي لا تُفلح أبداً في التقليل من شأن الكتب التي تود شراءها للتقليل من أسعارها، لا أستطيع أن أخفي سعادتي بكتابٍ أبحث عنه، أو كتاب نادر  أوقعته الصدفة في يدي، وتلك الكلمة تقريباً لا تتغيّر عند سؤال البائع عن ثمنه، أقولها حتى دون أن أسمع إجابته  : "فقط؟"..
بالتأكيد لم تكن مصادفة، فلقد نادتني "أجراس نجازاكي"، وأراد مؤلف الكتاب بنفسه "بول نجائي"، أحد ضحايا القنبلة الذرية أن يقص على امرأة مسكينة من دول العالم الثالث حكايته، امرأة كانت تنتظر حادثاً سعيداً ولكنه لم يزورها بعد، اشترت الكتاب وقالت سوف أدخره لها، لتلك الليلة التي تظل تنزف فيها دون أن تموت، قراءة مثل هذه الكتب تجعل من نزيفك أمراً عادياً وبسيطاً مقارنةً بأصحابها، تضعك في حالةٍ تتقبّل فيها البداية من صفر ، من اللاشئ، مثل كل شهر ، عندما لا يأتي الحادث السعيد، ويأخذ الدم في الهطول ولا يتوقف إلا بعد أيام..
نقطة ومن أول السطر .
قبل أجراس نجازاكي لم يكن هذا المعنى واضحاً في ذهني، حتى مع قراءة كتب مشابهة، عن الحروب والدمار  والدماء..آه بالمناسبة، لم أقل بعد أنني أكثرهم كراهيةً للدماء، ودمائي أنا على رأس القائمة، الزمن يذبحني ويريق دمي كل شهر ، منتهى الحلم أن ينساني مرةً واحدة لكي أصير أماً. قبل هذا الكتاب كنتُ أحسب أن الموت بالقنبلة الذرية موتٌ نظيف لا دماء فيه، تتحول المادة البشرية إلى بخار  في ثوانٍ وينتهي كل شئ، ومع ذلك كان هذا الموت السريع أهون من الحياة -في نظري- بلا قدرة على الإنجاب بعد التعرض لجرعات كبيرة من الغبار الذري، أو اللعب في التكوين البشري الجيني..ولكني اكتشفتُ أنهم ينزفون أعضاءهم! تخرج من أفواههم كتلاً حيّة قبل مفارقتهم للحياة، اللحم البشري الذي تصوّرتُه يتلاشى إلى بخار  فحسب، ينضج ويحترق، تغوص فيه الأيدي كثمار الخوخ التي أسرف الزمن في إنضاجها وأوشكت على أن تفسد كما يقول بول، أستغرب من ألفاظه الشاعرية في وصف شئ بشع كهذا..
أحاول استيعاب قذارة هذا العالم، أقطع قراءتي ثم أبحث عن فيديوهات التُقطت قبل إلقاء القنبلة النووية على نجازاكي، أجد الضباط والقادة والطيارين يوقّعون على جسم القنبلة، يكتبون أشياء بالتأكيد هي أثمن بكثير في أنظارهم من حياة كل من ماتوا..إن تلك الكلمات القليلة هي التي قتلت كل هؤلاء الضحايا.. اخترقت أجسادهم وأحرقتها تماماً مثلما فعل الغبار الذري..أظن أن الولايات المتحدة كانت موفقة جداً في فهم الحقائق الكونية، تدفع المليارات لتحقق أكبر استفادة ممكنة في أقل وقت ممكن ، بدايةً من منظومة (الوجبة السريعة) وحتى (القنبلة الذرية)، في الأولى تستطيع أن تقتل البشر ببطء بعد الاستفادة منهم، وفي الثانية بإمكانك قتل بشر لا استفادة منهم على الإطلاق!
ما الذي جعلني أقرأ هذا الكتاب الآن؟
في نفس الوقت، كانت هناك بويضة "ثالثية" تنضج بداخلي، والسخرية أن اسمها (الثالثي) ليس نسبةً إلى العالم الثالث الذي أنحدر منه، ولكن نسبةً إلى ما بعد الثانويّ، على طريقة المثل الشعبي: (الثالثة ثابتة)، فهي البويضة المُنتَخَبة، وسط قريناتها اللاتي ذهبن -بإرادةٍ كاملة- إلى الانتحار ، وودعن المصنع الربّاني: المبيض، الذي ينتج كل شهر  أطفالاً محتملين..
كان عليها أن تخترق هذا الجدار، تهرب من نمطية التكرار  الشهري الذي قتل مثيلاتها، هل هي الوحيدة التي راودتها أحلام الخَلق؟ الخليّة العملاقة تريد أن تبدع، وتتغلب على الروتين، تنتظر إشارة إلهية لتبدأ رحلة شاقة في أعماقي، لا أحد يدري حتى الآن مصيرها..
الخليّة والذرة..أول درس في العلوم..كيف تبني الأولى كائناً حيًّا بينما تبيد الأخرى مدناً بساكنيها؟..
أراد بول أن يقول لي شيئاً هاماً في البداية، أعترف أنني لم أفهمه وقتها، ولكن بعد مرور بعض الوقت فهمتُ رسالته، تحدّث عن أبيه (نجائي) الطفل العابث، الذي طُرد من مدرسته وكل المدارس الأخرى في مرحلته الابتدائية، وكيف أنه ألقى بصنم في النهر يحترمه اليابانيون ويعبدونه، كان نجائي شجاعاً جداً كنبيّ، قال الطفل للجمع المستاء والمتربص به أمام النهر:
-انظروا إليه إنه يبتسم في الماء، لا بد أن غطاسه أعجبه كثيراً!
كنتُ في حاجةٍ إلى عملٍ كهذا، أن ألقي بصنم لطالما وقّرتُه توقيراً اسمه الانتظار.. وشردتُ في تلك الصورة المريحة إلى حد كبير:
ماذا لو  أقلعتُ عن انتظار الحادث السعيد؟ ماذا لو قذفتُ به في النهر  مثل ذلك الصنم؟
بالتأكيد وبعد سنوات طويلةٍ عمل فيها نجائي كمزارع مع أبيه في الحقل حتى بلغ عشرين عاماً، هاجر بعدها ولم يعرف أحد أخباره إلا بعد أربع سنوات، لم يكن أحدٌ في القرية ينتظر وصوله، توقع جميعهم عودة نفس الطفل العابث الفاشل بلا عمل أو مأوى، عاد الطبيب نجائي عندما أقلع الجميع عن انتظاره، محققاً نجاحاً فريداً من نوعه غير نمطي، فكيف ينجح حارس لدى طبيب للنساء والتوليد في دراسة كل كتب الطب لديه واجتياز الامتحان فيها دفعة واحدة؟! ليترقى من خفير إلى مساعد طبيب ثم إلى طبيب؟
أعترف أنني تمنيتُ لو فحصني طبيبٌ مثل نجائي، ربما عرف ما لم يعرفه الآخرون، يشخّص الآثار الجانبية للخيبات المتلاحقة، يعزف لي على آلة الشيمازين ويأخذني في جولةٍ لمراقبة الدببة في قريته، يقول إن علاجي في النسيان وعدم الاكتراث، يقول أيضاً أنني في حاجة إلى الخروج من قوقعة التذكارات الحزينة، صارحني نجائي بأنني بنيتُ أسواراً عالية تحول دون تحقيق أحلامي، وأنها مرهونةٌ بالتخلّي، وبالاستعداد الدائم  لفقدانها بقدر الرغبة في الحصول عليها، ثم يدفعني بقوة لأجد نفسي في قاع النهر بجوار الصنم المبتسم، يصيح نجائي من بعيد ويلّوح :
-اسبحي..حرّكي ذراعيكِ..قاومي الغرق، وكوني مستعدة لحدوثه..
ولكن عمر الطبيب نجائي ثلاث صفحات فقط، كنتُ قد بدأت خلالها طقوس التخلّي التي نصحني بها، شرع بعدها ابنه بول في سرد قصته التي هي ذاتها قصة بلاده العجيبة..لم تكن ألاعيب الذرة جديدة على بول، حاول جاهداً أن يقول كم كان الإشعاع قريباً منه بفضل أبحاثه وتجاربه كطبيب للأشعة في كلية الطب، وكيف تسببت في إصابته بسرطان الدم قبل أن تدمر الذرة مدينته (أوراكامي) تماماً..
حكى بول عن حياته البسيطة مع أسرته، عن ميدوري زوجته التي لم يشترِ لها كيمونو جديداً في أي مناسبة، والتي باتت تصنع له بيديها قمصانه ومعاطفه، ميدوري زوجته التي اضطرت إلى حمله لمقر الكلية عندما عجز عن المشي يوم وردية عمله، كتب عن حلوى المارو بورو اللذيذة والتي قدّمتها له (ملكة الحوريات) مع فنجان من الشاي الأخضر  في مدينة تاييرا، واضطر إلى تخبئة بقيتها في مظروف الخيزران الخاص به ليطعمها لولديه اللذين لم يتذوقا تلك الحلوى الشهية من قبل..
لم أكن أقرأ السطور فحسب، ولكنني بتُّ أتأمل حي أوراكامي بكلمات بول، صبيحة يوم الانفجار  الذي تغيّر بعده كل شئ، تستطيع أن تشاهد جبل كوبيرا في يومٍ صيفيّ بديع، أشعة الشمس تتلألأ فوق حقول البطاطا الوردية المصفوفة، في الوقت نفسه امتلأت كاتدرائية نجازاكي بحشد من الكاثوليك اليابانيين بملابسهم البيض، كان حي أوراكامي هو حي الكاثوليك الوحيد آنذاك في اليابان، ولَكم عانى هؤلاء من إضطهاد، فلم يكن غريباً أن يعمّد بول نفسه  ويعتنق المسيحية بعد قراءة نظرية من نظريات عالم الفيزياء باسكال..
في ذلك اليوم لم يكن بوسع أوراكامي أن تكون أجمل من ذلك، ولا أن يكون أهلها أكثر حماساً ورغبةً في الانتصار ، في معركةٍ لا منطق فيها على الإطلاق!
ماذا لو لم تدخل اليابان تلك الحرب؟
ماذا لو تفرّغ الامبراطور العالِم هيروهيتو لأبحاثه الهامة وقضى حياته على خليج ساجامي يجمع الأحياء البحرية، ليحصل على جائزة نوبل في العلوم؟!
ربما لم تتحول زهور الأولياندر  والميرت والكانا الحُمر في ذاك الصيف البعيد إلى رماد، ولم تتحول ميدوري زوجة بول نجائي إلى بعض العظام المتفحمة الراقدة بجوار مسبحتها وصليبها، كانت ستموت هادئة بعد خمسين عاماً أو أكثر في فراشها مبتسمة..
فكّرتُ في اثنين سلك كلاهما طريقاً واحداً في البداية ثم أخذ القدر أحدهما بعيداً ليسير نحو مصيرٍ مختلف تماماً  ..ولد الاثنان في شهر نيسان للعام ذاته، على أرض أوروبية، بميول فنيّة وحساسية مفرطة تجاه الطبيعة، أحدهما تربى على خشبة المسرح والآخر أراد أن يصير رسّاماً، ماذا لو جمعهما الفقر في أي شارع من شوارع أوروبا وصارا صديقين؟ شارلي شابلن وأدولف هتلر ! ربما لو كانت حياة شارلي أكثر سهولة وأقل شقاءً لما أصبح أعظم فناني عصره، أما هتلر فلا أحد يمكنه تصوّر مصيره لو قبلته أكاديمية الفنون في فيينا! لو لم يكتشف الممتحنون هذا الشئ الخطير في لوحاته قائلين : لوحاتك بها فقط القليل من الرؤوس!
أشاهد الآن رسوم أدولف هتلر قليلة الرؤوس، وأفكّر في طريقةٍ ما لتغيير ماضي الانسان الأسود، فلا أجد، حتى لو حدثت معجزة وأصبح لدي القدرة على العودة إلى الوراء فأصير كائناً بحرياً نادراً ينتزع شغف هيروهيتو مدى الحياة ويبعده عن الحكم والسياسة، أو أتحوّل إلى ريشة ألوان سحرية ترسم العديد من الرؤوس في لوحات أدولف هتلر يوم امتحان الأكاديمية..
أو أن طاقة من نوعٍ جديد نتجت عن تخصيب اليورانيوم، تدفع البشر للرقص بدلاً من الموت!
حتى خليتي المنتخبة،المخصّبة بالأمل، لم يكن بوسعها تغيير مستقبلها، ظلّت تكبر بداخلي، ومني، بلا حول منها ولا قوة، ولا مني، على مدار صفحات الكتاب، وبموازاة خيالاتي المبعثرة عن العالم، حتى أصبحَت جنيناً رقيقاً وضعيفاً جداً..
كانت تلك الخليّة المسكينة مبتلاة بالمعرفة، في الوقت الذي كنتُ أجهل فيه مصيرها المحتوم، مع تدفق الدم الجديد متأخراً عن عادته بثلاثة أشهر  كان جنيني الضعيف يرحل عن رحمي، لأول وآخر مرة، نظرتُ إليه وأنا أتذكر تلك الدعوة التي باتت تخترق قلبي : ربنا يملا حضنك بالضنا! أتأمل هذا المسكين الذي لا يقدر حتى على ملء كفّي، كان مغموراً بالدماء، لم أستطع أن أودعه أو أقبّله!
تذكرتُ كل ضحايا الحروب الدامية عندما رأيتُ ابني ميتاً، وبتُّ أبحث عن ذلك السم الذي سرى في دمي وقتل وحيدي، هل هو الكذب الذي نتنفسه كل ساعة فلم يحتمله؟ اكتشفتُ أنه لا سبيل إلى الهروب من كل هذا سوى بالمضي إلى أعلى، أبصرتُ ذلك الكوخ الأبيض الذي طالما تمنيتُه في أحلامي، ورأيتُ ميدوري تحتضن ابني وكلاهما يلوح لي من أعلى، من مكانٍ آخر، فكرتُ أنها سوف ترعاه من أجلي حتى أصل إليه، ستعتني ميدوري بكل شيء، بالأثاث البسيط وزجاج النوافذ وأحواض الزهور وحتى طلاء الكوخ الأبيض..سوف تعمل على تقوية قبضته الصغيرة وتتسابق معه في قذف الحجارة في الماء ثم تقص عليه حكاية صنم نجائي، تقرأ له كل مساء وتعلّمه ما فاته هنا في العالم البعيد، ولكنها حتماً ستتجاهل الدرس الأول في العلوم :الخلية والذرة، وتقول له في أدبٍ جم :
-دعنا من الدرس الأول، لقد درسناه من قبل، أليس كذلك؟ 

No comments:

Post a Comment