Wednesday, 20 April 2016

الذين يأكلون النَّام نَام



خطر ببالي –للمرة الأولى- أن أتحول إلى الكتابة الساخرة، شعرت أنه ربما يصير في إمكاني أن 
أكف عن السخرية من نفسي ، نعم .. أليست الأحلام المستحيلة ضرباً من سخرية النفس؟ ماذا لو؟ ماذا لو قامت كاتبة ناشئة قبل أن يحفظ اسمها أي إنسان بهذه الخطوة الشجاعة وأقلعت عن كتابة ترهات روحها المهزومة؟ ماذا لو أفلحت في خلع رداء الجدية المفرطة وأسدلت الستار على طموحها الكبير غير المنطقي بتحقيق الحلم ‘‘إياه’’ ؟ : ‘‘انجزي سبع روايات واكتبي عشر مجموعات قصصية..قبل الأربعين ..قبل الأربعين فقط..!’’..
أظن أنه قد آن الأوان أخيرا كي تستسلم تلك الفتاة المجذوبة من عينيها ومن أذنيها، الزاحفة فوق قلبها، وهي تقبض على مخها النازف بيديها..
كما أنه من المضحك أن تظل الحالمة على ضلالها القديم حتى في اللحظات الأخيرة من حياة ما تنوي قتله، شيء ما يكبر تدريجيا مع تناقص فرصة أي رجوع متاح، وهمٌ آخر! : ‘‘ ربما المجد الذي تنتظرين يجدك في الشاطيء الآخر، ربما لم يكن هناك طيلة الوقت أي شاطيء سوى هذا الآخر، ألم تسمعي من قبل عن بحار أحادية الشطآن ؟ بالطبع لا، وهذا جيّد..أقصد إنه جيد ألّا تعرفيها.. أكتبيها إذاً..وستسألين :وما الساخر في بحر بشاطيء واحد؟ وستقولين إنه لأمرٌ حزين وباعث على القنوط، مثل كاعب أمازونية بثدي واحد، وأقول أليس من المضحك أن تكون الكتابة أجمل عندما تكتبين عمّا لا تعرفين أو تدركين؟ ألا يهدم هذا كل ما بنيتِ من قبل أيتها الحمقاء؟’’
بلى..بلى أيتها الأوهام ..كانت ذراع ذلك الرجل المسكين لا تتوقف عن رسم علامة ‘‘اعبر’’ للمارة من البشر والسيارات، مَنْحهم حق لا يطالبون به أبداً لأنه في قبضتهم، والخلع على روحه الشريدة منصبا لم يدعه أحد إليه مطلقاً، ومع ذلك فلم يكفّ عن الإشارة، حتى عندما يأكل باليد الأخرى أو يتناول كوباً من الشاي أو يتبوّل في بنطاله أو يسقط على قارعة الطريق مغشياً عليه كانت تظل ذراعه مرفوعة إلى أعلى، هكذا كنتُ أراها..هكذا كنتُ أريد: ألا أكف عن الإشارة..
كانت الإشارات كثيرة، مغرية، أبواب تنفتح أمامي ثم تَدْخُلُني، بالوعة أبواب أنا..في مدينتنا لن تجد بالوعة محكمة الغلق، وكأن السيل لا ينقطع عنها، ذلك الذي لا نراه سوى بضع ليالٍ كل عام..وهذا من فقر مدينتي التي تشبهني، يوماً ما كنتُ سأكتب كيف أرى البالوعات نصف المفتوحة أشياء مغرية ومثيرة، هل هو شبح فتاة الليل السينمائي وهي تتسكع بالكعب العالي فوق الأسفلت بطول الطريق المملوء بالبالوعات نصف المفتوحة أو حتى العارية تماماً؟ يوماً ما كنتُ سأكتب عن الحب الذي لم يكن مفتوحاً أو مغلقاً كليّةً أمامي في أي يومٍ..عج حلقي بأقفال الأبواب التي ابتلعتُها والوعود التي حنثوا بها، هذا أيضاً لم أكن أعرفه: أنهم حينما يرجعون عن وعودهم تعود إليك!
مدينتي يسكنها العجائز وأولادهم الذين لم يولدوا أبداً، أما هذا الزحام المبالغ فيه، الأجساد الطرية الرجراجة التي تتنظر الخبز في الطابور، والفؤوس المنتصبة أمام العتالين فوق الأرصفة وحتى دماء الأطفال الغائبة عن أجسادهم المريضة، الحاضرة فوق موائد تقايض على دمائهم الجديدة كل يوم، كل هذا أشباح..مجرد أشباح..  
كم من الوقت أضعتُ مع أشباح المدينة؟ أراقبهم عن كثب، أتطلّع إلى وجوههم النحيلة، أتتبع العلامات التي يشيرون إليها في صمت .. كنتُ هناك دوماً..عندما يولدون ويعشقون ويذنبون..الأشباح يتقنون أشياء عديدة، يعرفون الإخفاق جيداً ..أنا أيضاً أعرفه، ولكن أبداً لن أكتب عن الأشياء التي أعرفها مرة ً أخرى..
ربما كتبتُ عن الوباء الذي لا أعرف اسمه، هذا الداء الذي ينتقل من الأسقف والجدران صوباً إلى القلوب ، يضيّقها فيجعلها تضِيق بمن فيها، يكرمش عضلاتها ثم يجوّفها من الداخل ويتركها للموت البطيء..
ولكن كيف تكون البداية قوية لكاتبة ناشئة..ساخرة ؟ هل أكتب عن الحب؟ الكوميديا السوداء التي لا نعلم كيف تُضحك وتبكِي إلى هذا الحد وبنفس القدر!!  ولكن علي أولاً أن أتخلص مما أعرفه ..من تلك الأفكار الراسخة :"من ابتعد يوماً ابتعد دهراً..ذلك لأنه يستغني..وبعض الحب احتياج .." ، ياللحكمة المتضخمة مثل ورمٍ مؤرق وخبيث ! كان علي أن أدوّن كل شيء، أول عبرة وأول كسرة وأول نومة عاشق خارج أحضان معشوقته، ومتى استطاع المحب الذي بات يقول لا أستطيع العيش بدونها أن يحيا ببساطة في غيابها، ومتى توقف أي انسان أصلا عن العيش بدون آخر؟  
لمَ لم أدوّن هواجسي الأولى بأنه سوف ينسى ويعتاد؟ وأنه سوف يملّ مثل الجميع؟ لماذا لم آخذ الأمر بجدية؟ ألم تكن خير بداية لكتابة ساخرة مدهشة؟
من السّخف أيضاً أن شيئاً ما ينكسر ولا يعود عندما يتقارب اثنان حتى التوحد.. إنها الحدود التي تفصل بينهما، كل الحدود ..ولذلك كنتُ أعرف أن ما حدث من قبل لن يحدث مجدداً..
كنتُ أعرف..وما أسوأ هذا اليقين ..
ما حدث قد حدث، فقد أخذت الحدود الفاصلة بيننا في الانصهار منذ اللحظة الأولى وبرغم كل ما حدث لي وأرغمني على نسيان حوادث عديدة في حياتي إلا أنني مازلتُ أتذكر تلك اللحظة جيدا، ماذا يحدث لك عندما ترى روحك في صورة؟
دهشة ..دهشة لم تزرني أبداً بعد ذلك، كان يبدو وكأنه يتصدر العالم في تلك الصورة  ..بدت في تلك اللحظة كل الأشياء خلفه فعلا.. كل عالمي خلفه! 
كنتُ أحسب دوماً أن الوقت اللازم لتفاحة كي تفسد هو ذات الوقت الذي قضاه آدم حتى لقيَ حواء في الأرض بعد الخروج ، ولقد لقيتُه دون أن يبحث عني، لست متأكدة من ذلك  ولكن المؤكد أنه وجدني قبل أن يزحف العطب إلى قلبي، لم أكن في تلك الحكاية حواء ولا التفاحة كنتُ الشجرة الحزينة المحرّم أُكُلَها!
هاتفني للمرةِ الأولى، وثمة عوالم لا تنفتح سوى بالصوت، ويؤججها الصمت، كل نبرةٍ تخرج من ثغره تحدِث نبضة زائدة في قلبي، تنعجن في دمي وتقذف ورداً في شراييني، حدثني مرتبكاً عن مشاعره المختلطة وأنه لا يستطيع التعبير، لهاثه وهو يمشي أسقط الحروف الأخيرة من جمله القصيرة ثم بدأ يحكي عن الحديقة القبيحة التي يهاتفني منها، قال: برغم هذا الظلام الدامس أستطيع أن أرى كم هي قبيحة وموحشة، أخذتُ الأمر بشكلٍ شخصي وشعرتُ بأنه يشير إليّ، التلاعب بالألفاظ في مثل تلك الحالات لا يورث سوى الغضب، ولكن كل ما فعلته كان الصمت وزال حماسي تدريجياً عبر دقيقة كاملة استغرق هو فيها ليصف أشباح أشجار الحديقة وروائح الورد البلدي المنتشر، قال: رائحته فاترة كأن هذا الورد قد اشتُمّ آلاف المرات..شردتُ في إشارته المخيفة، هل يحسبني رخيصة إلى هذا الحد؟
  ثم قالها، قال "أحبك"، سليمة وواضحة وبلا حروف ساقطة، شعرتُ بخدرٍ يسري في كياني، وجنائن من اللهفة تُنبتُ في حجرتي الصغيرة، ومن يومها لم أتوقف عن حبّه ولم يتوقف هو عن تعذيبي، حتى تاريخ مكالمتنا الأخيرة..صوته المرتجف في المرة الأولى صار كالوتد الراسخ بلا معنى ..بلا داعٍ، لأن رياح الحب وعواصفه قد سكنت لديه منذ وقتٍ طويل.. سكون الظاميء بعد ارتواء ..ري وراء ري، امرأة أخرى أشبعته، عالجَت ببذخ عطاياها رغباتِه..ولقد شممتُ هذا ..لم يكن يدري أن حبه أصابني بنوع نادر من الصرع، قبل نوبة الجنون هذي، أشتم روائح شديدة الندرة ، كانت روحه مشبّعة برائحة باردة كأنما هبت من جبل جليديّ ، ثقيلة كسحابة وصامتة مثل العدم ، رائحة موت ..قتل.. 
أظن أنني عشتُ طويلاً جداً لأشاهد كيف يتحول المحبون إلى كائنات غير مبالية، هذا هو أرذل العمر، هنا يشعر الانسان بأنه قد هرم بما يكفي، القلوب التي تشيب لوعةً واشتياقاً انقرضت منذ زمن، صدأ الخيبات المتراكم سريعاً يأكل القلوب الغضة ويترك أصحابها أشباه أحياء..
أحاديث الحب تثير اشمئزازي، غير أنها أصبحت "لا تأكل مع الناس"، تعبير جديد من القاع ولكنه مناسب هنا، بينما تستطيع "المهرجانات" اختراق الموائد الصغيرة فوق عربات الفول، وكسر الخبز "المفقع" ودَش فحل البصل فوق الطبالي، تشرب البانجو وتتعاطى أقراص "الكيميا" وترقص في الأفراح سكرانة ،وتتحرش بالفتيات ..قد تكون تلك بداية جيدة : "الذين يأكلون مع الناس "، أم تراني أكتب عن خَبَل الحكام؟ أم عهر الإعلام؟  فأغير العنوان إلى "الذين يأكلون النَّام ناَم"؟ لا بدّ أن أعترف، بأن هؤلاء هم صانعو الإبداع الحقيقي فهم كالذين –وبرغم تناولهم نفس نوع الطعام-يضرطون بروائح مختلفة!
الاختلاف هو السر إذاً ..اصنع مهرجانك الخاص واضرط عالياً !
لا بأس ..ماذا لو صرت فتاة تقدّم مهرجاناً؟ وتهمس في مكبر الصوت بحنان نسميه نحن ميوعة :
(البطلة تقف فوق مسرح صغير منصوب في شارع ضيّق وخلفها فرقة موسيقية صغيرة وأمامها حضور يصفّق بحماس) 
"أقدم لكم المهرجان القنبلة..قنبلة ألف رطل مش بدائية الصنع ..المهرجان اللي بيغني فيه ملوك الشارع ،  مهرجان كريسماس الربيع ..  مهرجان الديابه السبعة ..مايوركا  بيغني على أرض مصرية، القمة الشعبية بيوجّبوا مع المرزعجية والمدفعجية، وأوكا وأورتيجا دايسين مع فيجو وعمرو حاحا، وكما قال شاعر الغِية اللي بيقدم التحية: البحر بيحب الزيادة والدخيلة علطول ولادة، ولا هكتور ولا أخيليس ده احنا احتلينا طروادة !" اسمع يا نجم، اتعلّم يا شقيق الحكاية، قبل ما حد يعلّم عليك ، قبل ما الأوكازيون يخلص ، قبل ما المهرجان يبتدي، دي شغلتي، ولا بتقدم ولا بتأخر، زي اللي بيدن في مالطة، ادولي قلب ومسكوني قلم.. و.."
(تبدأ موسيقى التكنو الصاخبة ويغني أحدهم في مكبر الصوت ويطغى تماما على صوتها) :
-ولا هكتور ولا أخيليس ده احنا احتلينا طروادة ..
-(بصوت غير مسموع) نفسي حد يقراني..
-وعملنا البحر طحينة وقلبنا اللانش سفينة
-(بصوت غير مسموع) فرصة واحدة..
بحر بشاطيء واحد..بحر بشاطيء واحد !
- عاوز تعوم عوم على قدك ..بحورنا واسعة وهتهدّك ..
(الكلام لم يعد يخرج من فمها كأنها تغرق وتكنو المهرجان يعلو أكثر وأكثر)
-بحورنا واسعة وهتهدّك ..
بحورنا واسعة وهتهدّك !